الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - ترامب يتشبث ببن سلمان واردوغان يتراجع عن اسقاطه

ترامب يتشبث ببن سلمان واردوغان يتراجع عن اسقاطه

جواد عبد الوهاب

رغم زيف التحقيقات المستمرة والضجة المفتعلة حولها ، بدأ محمد بن سلمان يتنفس الصعداء ويبدل جهودا جبارة في سبيل أن لا تتوسع دائرة الخسائر ، فهو من دون شك خسر الكثير على الرغم من وقوف ترامب الى جانبه في وجه العواصف التي سببتها عملية قتل الصحفي جمال خاشقجي في داخل قنصلية بلاده في اسطنبول.

فبعد أن تشوهت صورة الإصلاحي والليبرالي التي قدم بها نفسه للعالم والتي أنفق الكثير لتسويقها ، توقع الكثيرين أن الخطوة القادمة هي ازاحة بن سلمان ، أو لا أقل اجباره على التنحي عن منصبه. خاصة أن الخطاب التركي واستراتيجية تقطير المعلومات كانت توحي بأن سقوط بن سلمان بات مسألة وقت ليس إلا.

استراتيجية تقطير المعلومات التي اتبعتها تركيا رسمت صورة معاكسة تمامًا لما اراده الأمير المغرور والذي أنفق أموالا طائلة في سبيل تحصيلها ، فصارت عملية ذبح الخاشقجي هي الصورة الوحيدة في وعي الرأي العام العالمي ، وصار اسم محمد بن سلمان ضمن أسماء القتلة والسفاحين ، بل صار المنشار مقترنا بصوره في كل أرجاء العالم ، بعد أن كان منذ أسابيع قليلة رجل الإصلاح والتغيير والتحديث ، وصمة خزي وعار مبكرة جاءت في غير أوانها لشاب طموح في مستهل حياته السياسية ستقيد من حركته كثيرًا وهو يحاول أن يسير في طريق شائك نحو كرسي العرش ويتربصه الكثيرون حتى من داخل أسرته بعد ما فعله فيها وفى كبار رجالها ومن يدور في فلكهم من أصحاب المال والاعمال فمن استضافته الشهيرة لبعضهم في الريتزكارلتون إلى تهميش البعض الآخر وتقليص نفوذه حيث نجح في صناعة العديد من الأعداء.

لكن بعد خطاب الرئيس التركي الذي توعد فيه بكشف الكثير من تفاصيل مقتل خاشقجي ، اجتاحت العالم خيبة أمل كبيرة ، خاصة أن الخطاب التركي الذي كان متبعا في ذلك الوقت أوحى للجميع أن تركيا تمتلك منذ البداية معلومات تفصيلية لحادثة القتل المروعة ومنفذيها والامرين بها وهي كفيلة بحسم الأمور منذ بداياتها دون اللجوء إلى المساومات السياسية ، فما الذي حدث؟ وما هي الأسباب التي جعلت تركيا تتراجع عن توجيه الضربة القاضية الى بن سلمان واسقاطه من المشهد السياسي برمته موصومًا بجريمة شنيعة. وما هو سبب استماتة الرئيس الامريكي دونالد ترامب في الذوذ عنه وانقاذه؟

في اعتقادي أن ذلك يكمن في أن اسقاط بن سلمان يمثل زلزالا كبيرا قد يؤثر على أمن واستقرار المنطقة برمتها من وجهة نظر الغرب خاصة الولايات المتحدة الامريكية ، وأن أي تحرك في اتجاه ازاحة بن سلمان سيؤدي الى اقتتال داخلي من شأنه أن يزعزع الأمن والاستقرار وهذا ما لا ترغب فيه لا الولايات المتحدة ولا الغرب ولا حتى تركيا. فالعربية السعودية هي العمود الفقري لاستراتيجية الولايات المتحدة الامريكية الجديدة في المنطقة ، وتمثل اليوم دور رئيسي ومؤثر لا يمكن إغفاله في المحور الذي يتم انشائه بوالذي يهدف الى رسم خارطة سياسية وأمنية جديدة للشرق الأوسط تكون فيها اسرائيل حليفا وايران عدوا ، خاصة بعد تراجع الدور المصري وانشغال مصر بمشاكلها الداخلية المفتعلة ، والقدرة الفائقة للمحور المذكور في التأثير في جميع الملفات والازمات التي يعج بها الشرق الاوسط عن طريق تنشيط وتفعيل العامل المخابراتي والانفاق الكبير على الأطراف الموالية لها في مناطق الصراع فضلا عن شبكة العلاقات الاقتصادية الضخمة مع أبرز رجال الإدارة الأمريكية الحالية حتى من قبل الدخول إلى البيت الأبيض كصهر الرئيس كوشنر المسئول عن أبرز ملفات الشرق الأوسط ومهندس مشروع صفقة القرن وأحد أبرز المقربين من ترامب وصولًا لترامب نفسه.

أردوغان وصانعي ومنظري السياسة الخارجية التركية يعلمون حق المعرفة أنهم لا يستطيعون معقابة محمد بن سلمان أو اسقاطه ، ويعلمون جيدا أنه ومن دون ضوء أخضر من الادارة الامريكية فإن بن سلمان سيبقى في منصبه ، ولذلك اشتغلوا منذ البداية على استمالة ترامب وقاموا بالافراج عن القس الأمريكي الذي كان مسجونا في تركيا ، وحاولوا تبريد ملفات التوتر في العلاقات التركية الأمريكية ، إلا أن ترامب رفض ولحد الآن ليس فقط فكرة ازاحة بن سلمان ، بل حتى توجيه الاتهام اليه ، مما ولد قناعة لدى الاتراك بأن يقوموا بتطويع الحدث لترويضه وتحجيمه وجعله بمثابة ورقة ضغط دائمه على بن سلمان ، قد تمكن اردوغان مستقبلا من إضعاف وتفتيت ذلك التحالف السعودي الإماراتي الذي يعتقد الاتراك أنه يشكل خطر على استراتيجيتهم وطموحهم العثماني ، بدلًا من العمل على إقصاء بن سلمان عن المشهد الذي لن يتحقق مادام ترامب متشبثا به.

اذن كل ما يحصل ليس من أجل ازاحة بن سلمان أو اتهامه بأنه أمر بارتكاب الجريمة ، بل هي ضغوط تهدف الى تعديل سلوكه وتضبيطه لكي لا يقوم بارتكاب حماقات أخرى في المستقبل ، يجعلون من المعلومات التي يسربونها والتصريحات التي يتفوهون بها تتجه نحوه وتشير اليه ، لكنهم لا يوجهون الاتهام اليه ، يقومون بممارسة سياسة تضييق الخناق عليه مستغلين حماقته في ارتكاب الجريمة لمعاقبته على جميع الأفعال التي قام بها من دون استشارتهم من حرب اليمن مرورا بحصار قطر وانتهاءا باعتقال رئيس وزراء دولة ، لجعله عبدا طيعًا طوال حياته. وقد بدأت ملامح هذه السياسة بالوضوح بعودة الأمير أحمد بن عبد العزيز شقيق الملك سلمان الأصغر وأحد السديرين السبعة الفرع الأبرز في الأسرة والمعارض لتنصيب بن سلمان وليا للعهد بأوامر أمريكية وبضمانات بعدم المساس به.

في هذه الاثناء يستمر فريق التحقيق التركي في تسريب تفاصيل الجريمة ومن ورائها رغم معرفتهم منذ البداية بتفاصيلها ، في ما يبدو أنها سياسة لاستنزاف بن سلمان خاصة بعد تحول الجريمة إلى فضيحة دولية ، وتردي سمعة الأمير المبتدئ إلى أسفل سافلين.

من الصعب التكهن بما سيؤل إليه مسار التحقيق خاصة مع مطالبة البعض بتدويله ، وإن تأكدت تقريبًا نجاة بن سلمان في هذه المرحلة على الاقل ، فحدث كبير كإقصاء أمير عن عرش مرتقب في الشرق الأوسط لا يتم إلا في ذروة الحدث وغليان الرأى العام ، أما وأن الأمور بدأت تميل الى الهدوء نسبيًّا ، فإن من الواجب على بن سلمان أن يستعد لأن يكون أكثر حرفية في عملية الذبح القادمة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك