الرئيسية - إقليمي - معتقلو الرأي.. حقوق وواجبات!

معتقلو الرأي.. حقوق وواجبات!

مرآة الجزيرة

حرك القلق المتنامي المنظمات العالمية والدولية حول مصير العديد من المعتقلين السياسيين في السجون السعودية الذين تم إصدار أحكام الإعدام بحقهم على خلفية أنشطتهم الحقوقية والإنسانية، ناهيك عمّن يواجه محاكمات ممنهجة تَخلص عادة لإصدار أحكام قاسية تخلو من العدل والاستقلالية والشفافية.

وفي هذا الصدد كانت قد حذرت سابقاً منظمة العفو الدولية من “استخدام عقوبة الإعدام كسلاح سياسي ضد الشيعة مع تصاعد الإعدامات في البلاد (السعودية)”، وكررت قلقها مجدداً في 8 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الجاري من أن يؤدي الاضطهاد الممارس من قبل السلطات لتنفيذ أحكام الإعدام التي أصدرتها السلطات ضد 12 سجيناً شيعياً، خصوصاً مع تداول أخبار تفيد بنقل ملفاتهم إلى رئاسة أمن الدولة التابعة للديوان الملكي.

إعدامات.. وأزمة!

في المقابل تزداد مخاوف النشطاء والخبراء السياسيون من قيام السلطات السعودية بتنفيذ إعدامات جماعية لتشتيت انتباه الجهات الحقوقية والدولية في محاولة للخروج من مأزق اغتيالها للصحافي جمال خاشقجي التي لايزال يدفع الشعب والمنطقة بأسرها فاتورته. حيث لا يخفى تصدير الملايين لإرضاء وكسب حماية “الشركاء الاستراتيجيين” في وقت يعاني المجتمع من البطالة والفقر وقلة الفرص المتاحة، كذلك إغراق الرياض السوق بالنفط الذي أدى لخفض الأسعار وتكبيد نفسها وبعض دول الجوار خسائر فادحة، بالإضافة إلى الحرب التي شنها التحالف بقيادة “السعودية” على الشعب في اليمن وهي ما استنفذت طاقات البلد في حرب لا جدوى ولا نتيجة منها تصدرت عبرها الرياض الأوائل في قائمة الإنفاق العسكري الذي بلغ لهذا العام ما يقدر بـ 69.4 مليار دولار، جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، وأوصلت اليمن الشقيق لأزمة إنسانية عميقة وتهديد حقيقي بالمجاعة يواجه نصف شعبه (14 مليون يمني).

المعتقل.. الفرد المُغيّب

وفي ذات الصدد، ندد الحقوقيون من “السعودية” بالاعتقالات التي لاتزال تلاحق المواطن في مدن القطيف، حصدت النشطاء والفاعلين والشباب اليافع في المجتمع، ووجهوا الانتقادات والتساؤلات حول شرعية الحملة العريضة والقاسية التي شنتها السعودية لإخماد شُعلة المنطقة.

حيث تم رصد العديد من الانتهاكات الجسيمة بحق المعتقلين وبالأخص في سجن المباحث والمحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض، فمنذ البداية عانى المعتقلين وأهاليهم من الاعتقالات والاحتجازات التعسفية ومن ثم تعرضوا لأشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي والتهديد والحط من الكرامة لانتزاع الاعترافات أو الإقرارات خلال جلسات التحقيق، خولها وسهلها عدم وجود جهة قانونية منفصلة للشكوى أو قانون مُفعل يضمن للمعتقل وجود محامي خلال جلسات التحقيق.

في ذات الوقت افتقرت المحاكمات لقانون مكتوب واضح وصريح يحدد ويحُد من صلاحيات القضاء والمحكمة، فغاب تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية عن الجلسات الصورية التي لم تضمن للمتهمين حقهم بمحاكمة نزيهة تخلو من التسييس والتحيز.

وفي مقابل هذه الفئة التي غدت كبيرة من المجتمع من المهم تفعيل دور العائلة والمجتمع والدولة والمنظمات الحقوقية والمجتمعات الدولية للعمل على تحقيق القسط والعدالة، ولكيلا نسمح بأن يكون الثمن هو حياة أو أرواح الأبرياء من جديد.

دور العائلة

يرى القارئ لوضع المجتمع أن الجمود والخوف يسود خشيةً من انتقام السلطات من المعتقل أو بقية أفراد أسرته، وهذا ما يمنع العديد من التصريح بأسماء معتقليهم أو التحفظ حول الحديث عن الانتهاكات التي تعرضوا لها مع أي من الجهات الأخرى الموثوقة، وما زاد الطين بلة هو مع افتقار البلاد لوجود سلطة ثالثة (إعلامية) مستقلة تتيح تسليط الضوء على مشاكل المجتمع وهو ما من شأنه أن يؤدي لعمل الجهات المسؤولة على التحقق منها وإصلاحها ومعالجتها.

وفي هذا السياق تتكرر قصص اعتقالات واستدعاءات استهدفت أفراد أسر بعض النشطاء والمعتقلين، والتي استخدمتها السلطات كـ “عبرة” لتخويف بقية العوائل، وهو ما أدى للمزيد من الانغلاق وترك الانتهاكات بلا محاسبة. حيث لا قضاء ينصف ولا قانون يلجم ولا هيئات حقوقية ميدانية مستقلة تتحقق من الشكاوى. ومنها يتحتم على الأسرة نقل صورة أوضاع المعتقلين وتذكير المجتمع بمظلوميتهم وتوجيه العرائض المطلبية والشكاوى للهيئات الحكومية لإتمام الحجة.

دور المجتمع

من المهم أن يبقى المعتقل في الذِكر والذاكرة، ومن الواجب تفعيل قضايا المحكومين ظلماً والمنسيين من خلال النشاطات الاجتماعية والمنبر الحسيني، بالإضافة لتشكيل لجان أهلية لمتابعة أحوال المعتقلين وأهاليهم ومستجداتهم في مختلف مدن القطيف.

في الطرف الآخر يأتي دور المنبر الحسيني ومنبر الجمعة وبالتالي رجال الدين في هذا السياق، والذي يُعد أساسي ومحوري لتشجيع أبناء المجتمع على تعميق الأواصر بين أفراد المجتمع الواحد. ولتغذية المجتمع روحياً وفكرياً ضمن الإمكانات للمحافظة على الإرث التاريخي والثقافي والاجتماعي للمنطقة.

دور الدولة والقانون

من حق كافة الشعب التمتع بتفعيل واقعي وحقيقي لقوانين تتماشى مع ما يضمن له ممارسته لحقوقه الإنسانية الطبيعية دون تمييز، مما يعزز شعور المواطن بكرامته وإنسانيته وأحقيته في التعبير عن الرأي والمشاركة فيما يسهم في ازدهار بلاده وتكوينها ويصب في مصلحة نهوض الأمة وتقدمها.

ومن خلال هذا القانون تندرج حقوقه الأخرى في المساواة بالإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية، الاجتماعية والثقافية والدينية في بلاده. وبالتالي تضمن حق المواطن في الحصول على العدل والقسط عبر تأسيس هيئات حكومية مستقلة للأخذ بعين الاعتبار حال المواطن والنظر في شكواه ومحاسبة التجاوزات وانصاف المظلوم ومعاقبة المعتدي مما يُفعل مفهوم العدل ويُقْوِم المسؤول في عمله.

حيث من المهم “إيجاد مؤسسة أهلية وحكومية لسماع مظالم الناس وشكاويهم التي تقع عليهم من قبل المسئولين أو الموظفين في أجهزة الدولة، والسعي الحثيث لإنصاف المظلوم، ومجازاة المعتدي، ويُفضّل أن يكون موقعها في الأمارة وتعيِّن الدولة بعض أعضائها الذين تثق بهم وتعتمد أقوالهم ويختار خيار الناس خياراً منهم بعدد ما تعينهم الدولة ويتفرع عن هذه المؤسسة لجنة في كل بلدة أعضاؤها من خيار الناس، فالناس الذين وقع عليهم الظلم يتوجهون إلى اللجنة في بلدتهم واللجنة تتوجه للمؤسسة في الأمارة والمؤسسة تتوجه إلى الجهة المعنية بكل شكوى تصل إليها”-عريضة الكرامة.

دور المنظمات والهيئات الحقوقية

يأتي تفعيل القضايا الحقوقية والانتهاكات الإنسانية على المستوى العالمي والأممي في مكان لا يقل أهمية عن ما سبق ذكره، حيث يسلط الضوء على القوانين والأنظمة والمعاهدات التي تكفل حقوق الأفراد دولياً ويجرم الانتهاكات والتجاوزات والتقصير المرتكب في حال وجد.

كما تعمل هذه المنظمات على الضغط لإجراء الإصلاحات من خلال تقديم التوصيات وإجراء التحقيقات ونشر المقالات وتقديم التقارير الدورية لتقييم الأوضاع في البلاد على العديد من الأصعدة.

وتشكل ضغطا يمارس على صعيد أعلى لدفع العجلة نحو استيفاء الشروط المطلوبة لتحقيق العدالة والحرية، ويؤدي لأخذ النظام بعين الاعتبار لحسابات معينة قبل إقدامه على الممارسات القمعية بحق أفراد الشعب.

دور المجتمع الدولي

تأتي تهيئة المحاكم الدولية ضرورة ليتم الاستناد عليها وفقاً للأسس وقوانين عالمية متفق عليها، تكفل التحقيق في القضايا وبالأخص الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية من قبل المؤسسات والأنظمة السلطوية، التي تحال إليها تصاعدياً من قبل المنظمات الحقوقية الدولية حسب الأهمية وحسبما تقتضيه الضرورة.

وتشدد المادة (3) في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للجمعية العامة للأمم المتحدة إنّ “لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه”، وهنا أقول ما قاله الشهيد الشيخ نمر النمر رضوان الله عليه والذي يحاكي لسان حال المنطقة “منذ ولادتي إلى يومي هذا ما شعرت بأمن ولا أمان في هذا البلد”، داعياً لـ”أن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع فئات المجتمع ومذاهبه”، ومطالباً بإحياء قضية السجناء السياسيين وبإطلاق سراحهم،

“إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وبالخصوص الذين طال عليهم الأمد في غياهب السجون، فإنهم وأولادهم وزوجاتهم وآباءهم وأمهاتهم وجميع أهاليهم والمجتمع ينتظرون اليوم الذي يفك قيد السجان من معصمهم ويلتئم شملهم ويعودون لممارسة حياتهم الطبيعية الكريمة”- عريضة الكرامة.

وختاماً، من المهم العمل على توطيد هذه الأسس وفاءً للمعتقلين والشهداء ضحايا الظلم واستبداد النظام السلطوي. فتفعيل الحقوق الأساسية بشكل شامل ومتساوي وتفعيل الأدوار من شأنه أن يكون أساس صلب لازدهار البلاد بالحرية والسلام والعدل والتعايش، وتحرير المجتمع من الفزع أمام وجود مستوى عالي من الوعي والحريات التي يضمنها ويحترمها ويكفلها القانون.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك