الرئيسية - إقليمي - “السعودية”.. الطائفية صناعة و”استثمار”

“السعودية”.. الطائفية صناعة و”استثمار”

مرآة الجزيرة- زينب العلي

 

يعد وجود خليط ثقافي وديني واجتماعي سمة بارزة في الحضارات المعاصرة الأكثر نجاحاً وتقدماً، حيث ساعد الاعتياد على وجود التنوع الإنساني لوصول تلك المجتمعات لمرحلة التعايش بسلام مع الآخر.

ومهدّ في ذات الوقت لمجال أوسع من الوعي بالاختلاف والتسامح تحت نافذة احترام الأفرد والمجتمعات، وأحقية وجود كيان يحمل معتقدات فكرية ودينية مختلفة، وبالتالي نطاق جديد من الحريات والحقوق وسيادة القانون على الجميع.

وبالتأكيد هناك في المقابل الدول التي تتحاشى الانفتاح الفكري وتجرم التعدد الديني وتنبذ الاندماج الاجتماعي وتعزز بشكل أو بآخر الفجوة بين الأطياف الواسعة التي تعيش في ذات الوطن وتتشارك ذات الأرض، بل قد تصل لمحاربة أي تقارب حقيقي ولاعتقال أي صوت مخالف ربما يشكل تحدي لأهدافها، وهذه إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه بعض الدول العربية والخليجية.

ففي حين تسعى السلطات السعودية لتلميع صورة البلاد الحقوقية المرتبطة بشكل مباشر بصورة الحاكم عبر عقد “المؤتمر العالمي للوحدة الإسلامية بمكة المكرمة” تحت عنوان “مخاطر التصنيف والإقصاء”، تنسى غياب المؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تُفعّل حقوق المواطن وتضمن له عدالة القانون وصدق مساعي الإصلاح، فأي مصداقية والحاكم هو الدستور وما يأمر به تشريع مطبق غير قابل للمساس.

وبالتأكيد يُستخدم الدين والظواهر الدخيلة على الثقافة الإسلامية كالطائفية والطبقية بشكل واسع لخدمة مصالح الحكومة. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن في “السعودية” ينص النظام الأساسي للحكم على أن دستور الممكلة هو “كتاب الله وسنة رسوله”، مما يعطي صلاحيات واسعة النطاق لتفسير الدين والسنة على حسب أهواء الأوامر الصادرة من الجهات العليا، دون وجود سلطات أخرى تشريعية أو تنفيذية أو رقابية، بل يقتصر الأمر على وجود “مجلس شورى” صوري لا أكثر مهتمته تقديم التوصيات.

ولا أحد هنا يشكك في وجود نماذج عديدة حاربت التعصب الديني أو العرقي والطائفية وعملت لنشر ثقافة التقارب مع الآخر، ودعت لوضع قوانين وضوابط واصول محددة تضمن حقوق الجميع وتحاسب من يعزف على أوتار التفرقة وخصوصاً أصحاب المنابر سواء الدينية أو الإعلامية أو التربوبية.

ولكن حتى في هذا ترى الدولة تلاحق من يمارسون تلك الأنشطة التي تعني بنبذ التطرف والفكر التكفيري وتشجع على الوحدة، وتزج بالنشطاء في السجون كما حدث مع الباحث الإسلامي الشيخ حسن فرحان المالكي. في الوقت الذي تدّعي فيه العمل لإصلاح الفكر المتطرف وفق برامج صورية لم ينجح العديد منها إلا في تحصيل دعاية غربية وإخلاء المسؤولية داخليا، مثل برنامج “فطن” الوقائي الذي ألغي لاحقاً والمناصحة، والتي فشلت بسبب تجاهلها للجذور الحقيقية للمشكلة.

ويعود ذلك لخشية الحكومات من التقارب الذي سيؤدي لمواجهتها لمطالب جماعية بالديمقراطية، وموجة تغيير تتخلص من الفساد الإداري والقانوني والاقتصادي، مما يدفع السلطات للاتكاء على عكاز الطائفية والعنصرية الأعوج والتفرقة والضرب على وتيرة “الخطر الخارجي” والتهديد “الإيراني” والتدخل “القطري” والفكر “الأخونجي” والطبقية المناطقية.

وعبر ذلك يستطيع الحاكم وتحت غطاء الشرعية الدينية أن يتهم المواطن، والذي يصبح بناء على ذلك بحاجة للمناصحة للعودة “لجادة الصواب والمواطنة الصالحة” “وتصحيح الأفكار” حسبما تشاء السلطة.

فالانفتاح “فكر سام” يؤدي لانفتاح أكبر والتغيير يؤدي لتغيير آخر أعمق خصوصاً مع ملامسة المواطن لواقع الديمقراطيات السطحية “الترفيهية” التي لم تعالج مشاكله ولم تلامس أي من همومه، ولم يعد يلفته عقد المؤتمرات والمجالس والقمم التابعة لسلطة الحاكم.

والحقيقة نجد أن ترويج الصحف والإعلام التابع للسلطة للأحداث مبالغ فيه مقابل فراغه من أي نتاج حقيقي، فلم يعد الشعب يكترث بالمؤتمرات ولا يربط آماله بها لمعرفته المسبقة بأن لا نتائج مرجوة، تماما على غرار ما سبقه خطوات نظرية لا تطبيقة.

المواطن الذي يجد صعوبة في الحصول على لقمة عيشه ويعيش التضييق على مستوى منطقته، والفقر والفساد الإداري والاقتصادي المستشري على صعيد بلاده، يفقد الإيمان بجدية الوعود.

وكسر هذه الرابطة المتوترة بين الحاكم وما يرتبط به من مؤسسات والشعب الذي يمثل الوطن يكون في البداية بالتخلي عن استخدام النعرات القبلية والطائفية لبث الفرقة وتوسيع الفجوة بين الشعب، ويستمر بالعمل على محاسبة كل مسؤول عن بث هذه الأفكار السامة المتطرفة التي أدت ولا تزال تؤدي للعنف وتعزز خطاب الكراهية ضد الفئات المختلفة والأقل عددا في المجتمع.

وهنا أقول الأقل وليس “الأقلية”، حيث يؤكد الباحث السياسي د. حمزة الحسن في تقرير سابق له أن “المملكة العربية السعودية لا تحكمها أغلبية مذهبية معيّنة”، بل أن “الثنائية التي تعيشها لم تكن في تاريخها الحديث ثنائية شيعية سنيّة بقدر ما كانت ولاتزال ثنائية سلفية وهابية جرت على أساسها حروب توحيد المملكة من جهة، ومن جهة أخرى تصطف بقيّة المذاهب، وهي كلّها -دون استثناء- تستشعر الغبن الديني والسياسي المفروض عليها”. لافتاً أن استخدام السلطات لـ “القفز فوق الواقع التعددي يراد منه افتعال حقيقة التوافق الديني والانتصار لاتجاه مذهبي معين على حساب الاتجاهات الأخرى”.

وعلى الرغم من وجود توصيات لاستحداث وسن مواد قانوينة لحماية جميع أطياف المجتمع في “السعودية”، لم تجد هذه التوصيات والمقترحات سوى الأدراج المهملة لتُركن فيها، حيث مرت سنوات منذ تم الحديث عن مناقشة مجلس الشورى لقانون نظام جديد لتجريم العنصرية بكافة أشكالها ولكن لم يستحدث شيء حقيقي بهذا الخصوص حتى الآن.

و في هذا السياق تحدثت صحيفة (سبق) السعودية في مقال نشرته عام 2016 للكاتب إبراهيم باداود عن أهمية “قانون تجريم العنصرية”، وأكد الكاتب فيه أن “قانون تجريم العنصرية كان توصية قُدِّمت كمشروع في مجلس الشورى قبل نحو 8 سنوات، وذلك من خلال مقترح تم طرحه، ولكن لم يؤخذ به. واليوم نجد أن هذا القانون أصبح ضرورة ملحة لأهميته، ليس فقط في حماية الوحدة الوطنية، بل في مكافحة ظاهرة التمييز العنصري والتعصب المذهبي والمناطقي والرياضي بين أفراد المجتمع، وخصوصًا في ظل انتشار تداول الألفاظ العرقية والسخرية من بعض المناطق أو المذاهب الدينية والطائفية، بل في بعض الأحيان التكفيرية”. وأكد باداود وجود دراسات توضح مدى فداحة انتشار هذه الظواهر قائلاً: “العديد من الشواهد التي تؤكد ما خلصت إليه الدراسة، سواء بتوجيه التهم لبعض أبناء المناطق في السعودية بضعف الانتماء الوطني، أو قضايا تكافؤ النسب التي تشهدها بعض المحاكم”.

أما الدكتور عبد الهلال محسن أكد في تقريره عن “الحاجة للإصلاح في المملكة العربية السعودية” أن معوقات الإصلاح تكمن في “استمرار سيطرة التكوينات الطبقية التقليدية كالقبلية والعشيرة والطائفة، وغياب التوعية المجتمعية بالمفاهيم الحديثة للتنظيمات الاجتماعية المعاصرة”، وعدم وجود إعلام حر لتقديم أفكار إصلاحية وتقريبها للعامة مما “أدى إلى تشوه مفهوم الانتماء والمواطنة لدى قطاع عريض من المواطنين”.

في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2018، تحدثت الصحف السعودية عن مؤتمر مكة المكرمة الذي سلط الضوء على تأكيد “أهمية المرجعية الروحية للسعودية” لكافة المسلمين، ودعا في توصياته إلى “تمكين جميع المكونات الدينية والمذهبية من ممارسة شعائرها بحرّية”، حسب صحيفة الشرق الأوسط. وهو ما يؤكد استخدام السلطات الآن للأدايان والعناصر التي عززتها عبر أعوام كالطائفية، وحتى من خلال المناهج الدراسية، كاستثمار لتحسين صورتها الحقوقية خصوصا مع ما تواجهه حالياً من موجة انتقادات أممية بعد ضلوعها في اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في قنصليتها بمدينة إسطنبول التركية في أكتوبر الماضي.

فمناقشة حريات الأديان يأتي في وقت لا يزال فيه منع قوات الأمن السعودية للعديد من شعائر إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في مطلع العام الهجري حاضرا في الأذهان.

المشاريع الديمقراطية والأنظمة المستحدثة يجب أن تبدأ بسن قوانين سليمة ترجح كفة الشعب في المعادلة أمام الحكم الفردي، وتفرض الوحدة ضد التفرقة وتقدم الحرية وتنبذ الظلم وتضع أسس العدالة لمحاربة الفساد والتسلط والقمع.

وكي تثمر جهود المؤتمر بنتائج تحقق التوصيات والتطلعات فعلى السلطة السياسية العمل على الحد من تعزيز الفرقة وتغذية الطائفية والزج بالنشطاء في السجون، وتمكين القوانين التي تجرم هذه التصرفات الدخيلة على ثقافة الشعوب ومبادئ الإسلام، بالإضافة لمحاسبة جميع المتهمين بهذه الممارسات المقيتة. والفصل بين صلاحيات الحاكم وسلطة القانون يعد أول خطوة لتحقيق القسط والحريات والحقوق والمساواة التي ستخدم الوطن بكافة أطيافه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك