الرئيسية - النشرة - البحرين.. قراءة في بيان آية الله قاسم
الشيخ عيسى قاسم الذي سحبت السلطات البحرينية منه الجنسية بسبب مطالبته بحقوق المواطنين

البحرين.. قراءة في بيان آية الله قاسم

لقد أكد هذا الصدور المبارك للبيان على ان شعبنا قد دخل عملياً في مرحلة جديدة ، خاصة أنه صدر وشعب البحرين على أعتاب الذكرى الثامنة لتفجر الثورة ، الأمر الذي يستدعي من كافة الفعاليات الشعبية والقوى السياسية الحية المؤمنة بالحرية الارتقاء الى مستوى مضامين هذا البيان من خلال صياغة مشروع موحد يمثل آمال وتطلعات شعب البحرين في الحرية والعزة والكرامة،،،

جواد عبد الوهاب ـ خاص مرآة الجزيرة

مع شروق شمس العاشر من يوليو 2018 كان كل شيء منتهياً.. الاعتصام الذي كان يحمي الشيخ انتهى برحيل سماحته الى خارج البحرين .. وأصبحت الدراز وهي تتململ تحت أرجل االمئات من قوات الأمن الذين انتشروا مع مدرعاتهم وآلياتهم التي جلبوها معهم في كل مكان.. وساحة الفداء مهد الاعتصام  والتي كانت ممتلأة  بالرجال والشباب وحتى الاطفال باتت خالية سوى من بعض بقايا خيام وحاجيات المعتصمين المبعثرة .. وبقايا لافتات كتبت عليها شعارات وأهداف الاعتصام.

القيادي في تيار العمل الإسلامي الأستاذ جواد عبدالوهاب
القيادي في تيار العمل الإسلامي الأستاذ جواد عبدالوهاب

ولم تعد أصوات المعتصمين وأهازيجهم تسمع إلا همسات متقطعة أشبه ما تكون بهمسات الحزن المتبادل بين يتيمين صغيرين في ظلام الليل. وخيم الصمت على النفوس التي كان يخالجها مزيج من الارتياح والارتياب .. ارتياح لأن قائدهم خرج سالما من المحنة ، وارتياب حول عودته سالما الى أرض الوطن.

الأوساط الحاكمة تيقنت أنها استطاعت القضاء على الانبعاث الجديد للثورة والمتمثل في الاعتصام .. أوليست قد قامت بترحيل أكبر الرموز ، وزجت بأغلبية تلامذته في غياهب السجون وحلت جميع مؤسساته ، وفرضت حالة من الهدوء الوهمي ، وكان قد قتل من قتل واعتقل من اعتقل وها هي قوات الأمن تبسط يدها على كل شيء؟

أما الناس الذين كانوا يملئون الأرض ضجيجا فصمتوا ، وباتوا يتقصون أخبار زعيمهم الذي غادرهم على حين غرة ، فيما كانت شبكات التواصل الاجتماعي تضج بتحليلات حول الحدث الأهم والأبرز.

وتولدت قناعة تامة لدى من دعموا اجراءات السلطة بحق الشيخ في الداخل والخارج أن الجذوة الثورية التي انبعثت في ساحة الفداء قد انطفأت ، وترسخت هذه القناعة لديهم فاحتفلوا بالنصر المبين ورقصوا وطبلوا وشمتوا أيما شماتة بخروج الشيخ من وطنه .. والأوساط الحاكمة اطمأنت مع مرور الزمن أن أحدا لن يخالف وأن تفكيك الاعتصام وإنهاء حصار الدراز الذي اسستمر قرابة السنتين وصدمة الحدث لا تسمح لأحد أن يستمر في المعارضة ، وأن السلطة باستطاعتها مواصلة اجراءاتها وقبضتها الأمنية من دون خوف.

شيء وحيد كان يقلق الأوساط الحاكمة .. في البدء لم تعطه أهمية كبيرة ظنا منها أن الحالة ستستمر خاصة أنها قامت بفض الاعتصام بطريقة لم يعترض عليها أحد .. هذا الشيء هو (كسر الشيخ لاستراتيجية الصمت) .. في البدء حاولت السلطات الحاكمة أن تقلل من أهميته .. لكن سماحته  فجر الموقف ، فقد أصدر بيان أنذر فيه السلطة بأنها لن تعرف الاستقرار ما دامت المطالب لم تتحقق رافضا الخنوع ومعلنا في ما بين سطور البيان استمرار الثورة.

فعلى أعتاب الذكرى الثامنة لتفجر ثورة الرابع عشر من فبراير جاء البيان الذي أنهى “مرحلة الصمت” ، متضمنا العديد من الرسائل من أهمها الرسالة السياسية الواضحة ، وهي أنه لا يمكن أن تشهد سياسات النظام حالة من الاستقرار ما لم تنظر الى شعب البحرين بالمنظار الحقيقي لانسانيته وعزته وكرامته.

إن عملية (الصدور) ربما تكون أهم من (المضمون) لأن رهانات السلطة كانت كلها مبنية على أن يستمر الشيخ في حالة الصمت التي يرى النظام فيها أنها تمثل أهم عوامل بعثرة المشهد وفقدان الساحة والجماهير الى مركز التوجيه الحقيقي الذي يسمح للجماهير الالتفاف حوله وهم يخوضون معركة الحرية والكرامة.

وبيان الشيخ لا يعتبر بيانا سياسيا سوى في فقرته التي وجهها للسلطة من أن سياساتها لن تعرف النجاح ما دامت لا تنظر الى الشعب بالمنظار الحقيقي لانسانيته وعزته وشموخه . فالبيان ركز على هوية البحرين ولذلك ومنذ البداية جاء عنوان البيان (هذه هي البحرين) موصفا بشكل دقيق هوية شعب البحرين التاريخية والحضارية والثقافية محطما بذلك استراتيجية السلطة التي تقوم على محو الهوية الثقافية لشعب البحرين وصياغة تاريخ هذه البلاد وفق شهوة التهميش والالغاء التي تتملك عقلية العائلة المالكة. أراد الشيخ من خلال تركيزه على الهوية أن يقول للعالم أن البحرين الحقيقية هي غير تلك التي تحاول السلطة رسمها في أدمغة العالم .. البحرين في بيان الشيخ هي بلد العلم والعلماء وليست بلد الفسق والفجور والمراقص والملاهي الليلية ، كما أنها عربية اسلامية وليست واحة غربية تريد السلطة ربطها بمشاريع دول الاستكبار والكيان الصهيوني.

وفي محاولة من الشيخ تفريغ اجراءات السلطة من محتوها وسقوط أهداف القمع والقبضة الأمنية وحث الناس على الاستمرار والصمود في مواجهتها قال البيان : في احدى فقراته : “شعب البحرين شعب الاباء والنهوض ، لا يقبل الذل والخنوع ، ولا يستذوق الاهانة ، ولا يقدم شيئا على دينه وعزته وكرامته وحريته”.

ولم يكتف البيان بالتعريف بالبحرين الحضارة والثقافة والعلم والعلماء ، بل ذهب الى ابعد من ذلك عندما حدد المنهج الذي يسير عليه الشعب مؤكدا أنه: “شعب لا يعتدي ، ولا يستسلم للعدوان ، ولا يستعلي على الحق ، ولا يرضى بدونه ، ولا يتراجع عنه ، ولا يبخس الآخر ولا يعطي لاحد أن يبخسه”. من دون أن يغفل ربط هذا المنهج بالاهداف عندما قال : “الحرية هي مطلب دائم لهذا الشعب ، لا ينساه ولا يقعد عنه ، ولا يتراخى فيه”. وفي ذلك حث واضح لشعب البحرين الاستمرار في ذات النهج والتمسك بذات الاهداف التي ضحى من أجلها الاباء والاجداد الأمر الذي يعني الاستمر في الثورة حتى تتحقق الأهداف.

اذن البيان جاء في عنوانه ومضامينه وتوقيته ليوجه رسائل في جميع الاتجاهات ، ففي عنوانه عرٌف البحرين البحرينية وليس الخليفية ، وفي مضمونه وجه الرسائل لجميع الأطراف في الداخل والخارج ، وفي توقيته تهيئة للشعب لاحياء ذكرى الثورة حتى لو كان قادتها في السجون والمنافي ، كما أنه مهد لأن يكون احياء ذكرى الثورة هذا العام متميزا عن الأعوام السابقة.  

التفاعل مع البيان لم يقتصر على قوى المعارضة في الخارج والتي أيدته في بيانات منفصلة ، ولو أن هذا التفاعل والتأييد جاء في بيان موحد لكان وقعه كالصاعقة على السلطة في البحرين. أما على صعيد الداخل فقد انتشرت أنباء صدور البيان الذي كان من ضمن مضامينه استمرار الثورة كنسيم منعش .. وتلقاه الناس بكثير من الفرح والأمل .. وللمرة الأولى شعر الناس بأن إجراءات النظام فشلت في اركاع الشعب أو حرف بوصلته باتجاه آخر ، من قبيل تحويل المطالب السياسية الى حقوقية أو انتاج قيادة بديلة تنسجم وتتناغم مع رؤية النظام في حل الازمة.

هذا التفاعل المنقطع النضير جاء من خلال بيانات القرى والمناطق التي صدرت فور صدور البيان ، كما ضجت شبكات التواصل الاجتماعي بالتأييد لمضامين البيان ، وكأن الناس كانت تنتظر هذا الصدور بعد أن عمل النظام وأزلامه طيلة فترة الصمت بتزيف الوعي من خلال القول أنه بخروج الشيخ انتهى أمر الثورة وانتهت المطالب العادلة والمشروعة.

أذن من جديد اشعل البيان الجذوة قبيل اسبوعين من ذكرى الثورة ، وبث رسالة في الوعي البحراني مفادها أن صمودكم الاسطوري أفشل مخططات السلطة ليس في اخماد الثورة فحسب ، بل في الغاء شعب البحرين وإنهاء قضيته الى الابد على الرغم من قساوة الممارسة والانتهاكات الفظيعة التي مارستها قوات الأمن بحق الشعب والتي ترقى الى مستوى جرائم حرب او جرائم ابادة يستدعي من المجتمع الدولي ادانتها ومحاسبة مرتكبيها.

لقد أكد هذا الصدور المبارك للبيان على ان شعبنا قد دخل عملياً في مرحلة جديدة ، خاصة أنه صدر وشعب البحرين على أعتاب الذكرى الثامنة لتفجر الثورة ، الأمر الذي يستدعي من كافة الفعاليات الشعبية والقوى السياسية الحية المؤمنة بالحرية الارتقاء الى مستوى مضامين هذا البيان من خلال صياغة مشروع موحد يمثل آمال وتطلعات شعب البحرين في الحرية والعزة والكرامة.

إن تغيير هوية البحرين الثقافية والدينية التي تسعى السلطة من أجل تحقيقها عبر اجراءاتها سواء من خلال التجنيس أو التمييز والتهميش لاصحاب الارض الاصليين هو أبرز ما حذر منه البيان ، حيث يعتبر ذلك من أكبر الأخطار الاستراتيجية المحيطة التي تهدد حاضر ومستقبل شعبنا ووطننا، وإن النظام الخليفي المذعور من ثورة شعبنا قد يقوم بتمرير المزيدمن القوانين والمشاريع عبر البرلمان الصورى لكي يحقق أهدافه تلك ، محملا الجميع المسؤولية نخباً دينية وساسة وجماهير التصدي لذلك واعتباره أولوية في هذه المرحلة من عمر ثورتنا المجيدة.

وأخيرا فإن البيان أكد فيما بين سطوره أن الشعب البحراني بوعيه وصموده حول مخططات واجراءات النظام إلى خطأ استراتيجي كبير ، وإلى فرص في تثبيت شعارات الثورة واستمرارها فتوحدت الارادة الشعبية تحت شعار استمرار الثورة حتى تحقيق الأهداف.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك