الرئيسية - مقالات وأراء - على خطى الحرية

على خطى الحرية

سندس يوسف الأسعد* – خاص مرٱة الجزيرة

في الذكرى السنوية الأولى لإستشهاد الشبان البحرينيين المطاردين الأربعة في عرض البحر بعد استهداف السلطات لهم بالرصاص الحي في المياه الدولية وهم: سيد قاسم خليل درويش (23 عاما)، ميثم علي إبراهيم (22 عاما)، سيد محمود عادل كاظم (22 عاما)، حسن علي عباس البحراني (25 عاما).

كان فبرايرُ على موعدٍ جديد مع مراسم الشهادة، وكان العروج كما يعبرُ الثوّار، قديسين طوّبتهم السماء على مذبح الحق. جلجامشُ لم يكن وحيدًا في بحثه عن الخلودِ في جنةِ دلمون الغراء، فأربعةُ هم العابرون وأربعةٌ هم الخاطّون ملاحمَ حبٍّ الوطن السرمدي. حبٌّ باهضٌ ثمنه، مؤلمٌ وموجعٌ دربه وعميقٌ سيكونُ أثره في ذاكرة ثورةٍ بنادقها وردٌ محمدي، ومتاريسها صدورٌ عارية وقائدها عيسى، سماحةُ الحزم والعلم والتقوى، الشاقُ بعصاه عرش دكتاتورٍ أدمن القتل والسفك والفتك. عرج شهداءُ الحرية في عرضِ بحرٍ حكى لهم تاريخ الألم وعمّدهم في طقوسٍ يحفظها عن ظهرِ قلب فرسانُ الحريةِ الحمراء في وطنِ الشهادة. ميثم علي ابراهيم، السيد محمود سيد عادل، السيد قاسم سيد خليل وحسن علي البحراني، ارتقوا شهداء كرامةٍ وإرادة بعد ملاحقتهم من قراصنةِ بني خليفة واطلاق النار عليهم في عرض البحر. النجيع الطاهر سالَ فتخضبت لألئ البحرِ عزًّا وتبخترت مختالةً لأن طهرُ دمِ الشهادة نيشان مجدٍ لا يُسْتحوذُ كل حين.

الفرسانُ الأربعة هُدِرت دماؤهم مرتين في زمن الصمت العربي والدولي الرديء. زمنٌ يبيعُ مصاصي الدماء صكوك الغفرانِ بثمنٍ بخس. صمتت أبواقُ الحكومات المتشدقةِ بشعاراتٍ تنطبقُ أينما كان إلا في البحرين، وخرس الأمميون الذين تخصصوا في الإعراب عن قلقهم هنا وهناك. العهودُ الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية خفيَّ عليها أن التعبير عن الرأي في البحرين جريمة عظمى وأن الإنتقاد جنايةٌ سوداء وأن المطالبة بحقوقٍ إنسانيةٍ مشروعة جنحةٌ لا تغتفر. بورك لهم سمو المقام قرابين مجدٍ قال عنهم الرحمن، “فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ.”

لُوحِقَ الثنائين الثائرين ظلمًا وتعسفًا، شبانٌ في عمرِ الوردِ لم يينعْ قطافهما قطُ في وطنٍ يعجُ ويضجُ بمرتزقةٍ يتم استقدامهم للعملِ في مصانعِ القتل وغرفِ الموت. شبانٌ لم تحتضنهم جامعاتُ البلد التي لا تكفلُ أبناء البؤساء والفقراء والتي لم تعد صروح علم بل بؤرًا تبث سُمًّا طائفيًا وتاريخًا ملفقًا مفبركًا وزاخرًا بالأكاذيب. شبانٌ لا ملاذ لهم في جزيرة النفظ واقتصادها التقشفي الغارق أبناؤه في مستنقعات البطالة والفقر والعوز. أبحر الشبان في خضم الموج العاتي دون إلتفاتةٍ إلى الوراء، حيثُ لا شيء مأسوفٌ عليه الا وجهُ والدةٍ اغرورقت عيناها بدمع الفراق الأخير. دنداناتهن حضرن لحظة العروج “يُما فراقك صعب والديرة من بعدك وحشة!! خلف جبدي يا ولدي، يا شمعة أيامي، الله الله عالظالم!!”، ومضوا.

وجهة الرحيل كانت إيرانُ حاضنةُ المستضعفين والثوّار الذين أثكلتهم سنيُ التيه والهروب والملاحقة. إيران،ُ التي أراد الجاني إلباسها رداء القاتل وتحميلها تبعات الجريمة، كانت ستشرّع شواطئها لإغاثة هؤلاء الملهوفين العابرين قصرًا موطن الأهل والأحبة ورفاق الدرب وذكريات العمر المختصر. لكن رأفة إيران بالمستضعفين الأربعة سبقها بطشُ الحاكم الأرعن الذي أطلق العنان لرصاصه القاتل دون قيد أنملة من الرحمة. على رمال شواطىء كرباباد خطى شبانُ الوطن بصبرٍ ومضض أخر وصاياهم، ركبوا مراكب الموت وبدؤا رحلة المجهول في زمن “التغريّبة البحرينية”. لوّح لهم رضا الغسرة شوقًا للقيا غرباء فتك بهم بطشُ البِلاط، غرباءٌ افترشوا البحر وطنًا لم يكن يومًا سرابيل تقيهم حرًّا ولا بردًا. مراكبُ الموتِ لم تسعفهم على الهرب من كوابيس المطاردات المتوالية والتهديدات المتواصلة بالتصفية والإحتجاز والتعذيب.

شدّ ثنائيّ الشهادة دربهم والأرواح على الأكف في وسط بحر هائج تلاطمت أمواجه العاتية من كل جانب لكنها سرعان ما أشفقت لحالِ أولئك البؤساء. كان الرصاصُ أقسى من الأمواج المتزاحمة، رصاصٌ صبّ جمّ غضبهِ وحقدهِ وشراستهِ على فتيةٍ أمنوا بوطنهم فزادهم الوطن مقامًا وكرّسهم شهداءً على درب الحرية. عانقت أرواحم نسمةً هبّت من شطأنٍ مأسورةٍ مكسورة في كرباباد حيثُ نُظِمت للأحلامِ المهدورةِ أشعارًا سيغنيها اللاحقون حتى زوال الأسر وتحقق النصر. أحلامٌ بين مطرقةِ التمني وسندان التعسف والجبروت ستشرقُ شمسها ذات يوم. أليس الصبح بقريب؟!!

__________________________________________
*صحافية لبنانية

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك