الرئيسية - النشرة - الرامس.. وقفٌ وموقف

الرامس.. وقفٌ وموقف

ويحمل هذا الوقف رمزية عالية لكافة أهالي المنطقة بما يمثله من عطاء وعراقة سواء على المستوى المعنوي أو الإنساني أو الاجتماعي أو الاقتصادي. حيث غمرت سلاّت خيراته الخشبية وقبلها سِلال الخوص بيوت أهالي المنطقة بثمار امتازت برائحة “عوّام” والرامس، ولاتزال قيم العطاء والكرم التي تأسس الوقف في خضمها تفوح برائحة الكرامة والهمم التي عمرت ولا تزال أرض الرامس الزراعية واستصلحتها،،،

مرآة الجزيرة ـ عامر الحسن

“وقف الرامس” الأرض التي احتضنت أهالي منطقة العوامية واثمرت عن أشهى المحاصيل الزراعية وحفل بخيراتها وثرواتها ومحاصيلها أهالي منطقة القطيف على مدى القرن ونصف القرن الماضي. محاصيل وقف الرامس امتازت بالطعم المختلف والجودة العالية لما تمتاز به أرض الوقف من موقع جيولوجي مميز منخفض عن سطح البحر ومجاور له والذي بدوره منحها الكثير من المعادن البحرية الأصلية، فأصبحت جذر اقتصادي أساسي للعديد من مزارعي بلدة العوامية وشريان رئيسي للثروة الزراعية في المنطقة ككل.

يؤكد الأهالي في قلق أن السلطات السعودية تعتزم إنهاء هذا التاريخ العريق لـ”وقف الرامس” وتوشك على إيقاف هذا الإرث العظيم الكثير الخير، وذلك عبر إجبار مزارعي الرامس في بلدة العواميّة على التوقيع لاستلام تعويضات عن الأرض وما استصلح فوقها تمهيداً لتجريف المنطقة الزراعية هناك، والتي في الأساس تُعد وقفاً شرعياً مشاعاً لأهالي البلدة.

“وقف الرامس” يمتاز بكونه أول بل وأكبر وقف اجتماعي على صعيد البلاد بل وعلى صعيد منطقة الشرق الأوسط، بواجهة بحرية كانت غنية بالثروات السمكية وأشجار القرم والتي قامت السلطات السعودية بردمها عام 2002 رغم اعتراضات الأهالي واحتجاجاتهم، إضافةً إلى ذلك يشمل “وقف الرامس” مساحة زراعية خصبة ضخمة تقدر بحوالي 8 ملايين و 400 ألف متر مربع.

كما يعتبر موقع “وقف الرامس” ذو أهمية استراتيجية للمنطقة، حيث يطل مباشرة على ساحل بحر الخليج العربي، الذي يربط بين مختلف مدن وقرى محافظة القطيف وبين جزيرة تاروت، كما تمتد أنابيب البترول على بعد 500/700 متر من حدوده الشمالية.

الرامس: تاريخ حاضر

ويعود تاريخ وقف الرامس لما يزيد عن قرن ونصف من الزمن، حين قام الوجيه الشيخ سلمان بن محمد بن حسين الفرج المعروف بسلمان الشيوخ بشرائه من الحكومة العثمانية في عام 1301هـ/ 1882م وقام بوقفه لعموم منافع أهالي بلدة العوامية. وحصل أهالي منطقة العوامية على صك مجدد بخصوصه من كتابة عدل القطيف في عام 1360هـ /1948م، على يد القاضي الشيخ علي بن حسن علي الخنيزي، عوضاً عن الصك العثماني التالف مستنداً لما ورد فيه بشهادة عدد قدر بـ23 فرداً من الثقات.

ويحمل هذا الوقف رمزية عالية لكافة أهالي المنطقة بما يمثله من عطاء وعراقة سواء على المستوى المعنوي أو الإنساني أو الاجتماعي أو الاقتصادي. حيث غمرت سلاّت خيراته الخشبية وقبلها سِلال الخوص بيوت أهالي المنطقة بثمار امتازت برائحة “عوّام” والرامس، ولاتزال قيم العطاء والكرم التي تأسس الوقف في خضمها تفوح برائحة الكرامة والهمم التي عمرت ولا تزال أرض الرامس الزراعية واستصلحتها.

الرامس: جغرافيا المكان

تشير المصادر أن أرض الرامس تقع “في شمال القطيف المدينة في الناحية الشرقية لسيحة نخيل بلدة العوامية ويتجه نحو الشمال محاذياً لساحل الخليج في جهة الشرق حتى أرض الرويس (تصغير رأس) وهو نتوء صغير داخل البحر يقع في الجنوب من مدينة صفوى في مواجهة النتوء الكبير المسمى برأس تنورة فيفصل بين الرأس والرويس خور صغير من الماء لا يتجاوز طول ثمان مائة متر فقط فيفصل بين الرويس والرامس خطوط أنابيب البترول التي مدّتها شركة أرامكو السعودية في منتصف هذا القرن الميلادي لتنقل عبرها ما تنتجه حقول النفط الى معمل التكرير وميناء التصدير في رأس تنورة حيث يتم تصديره للخارج. ويقع أيضاً في الشمال من أرض الرامس المنطقة المشهورة بسبخة صفوى وهي أرض قاحلة تفصل بين المدينتين صفوى والعوامية.”

الرامس: أهلها وبلدها

وفي خضم هذا يندد الأهالي بما تقوم به السلطات السعودية من استخفاف بثروات المنطقة التراثية والبحرية والزراعية والإنسانية، مشيرين إلى سلسلة مستمرة من الأعمال التي تهدف إلى “طمس هوية المنطقة” على حد قولهم.

الطماطم الرامسي
الطماطم الرامسي

ويشير أحد المراقبين إلى أهمية عدم تجاوز العمليات التي أجرتها القوات السعودية سابقاً في المنطقة كهدم قلعة القطيف، وردم البحار كردم قناة تاروت، وردم غابات وأشجار القرم “المانجروف”، وحديثاً تدمير حي المسورة الأثري، والتي تصل إلى الآن حيث يواجه الأهالي خطر تجريف البيئة الزراعية في وقف الرامس بما يحمله ذلك من تدمير للخلفية التراثية والثقافية والأساس الاقتصادي للمجتمع ناهيك عن الإخلال بالنظام البيئي عبر تدمير ثروة زراعية ضخمة عمت منافعها أهالي المنطقة على مدى 141 عاما.

ويؤكد بعض النشطاء وجود استهداف ممنهج ضد أهالي محافظة القطيف عموماً، مشيرين إلى حملة الاعتقالات التي لاتزال تختطف العديد من شباب المنطقة، ولافتين كذلك إلى التدمير التراثي والثقافي لأحياء تاريخية، الاستهداف الذي يستمر ليشمل الصعيد الاقتصادي بتهديد مصدر دخل العديد من الأسر التي تعتمد على إيرادات مزراعها في الرامس كمصد رئيسي للدخل.

بائع ثمار الطماطم الرامسي
بائع ثمار الطماطم الرامسي

حيث لفت الباحث السياسي د. فؤاد إبراهيم، في تغريدة على حسابه على “تويتر”، أن قيام النظام السعودي بهذه الخطوة يعد استكمال لسلسلة انتهاكاته التي استهدفت أهالي المنطقة لتشمل تهديد الوضع الاقتصادي وسرقة لقمة العيش بالسطو على مزارع الرامس التي تشكّل مورد رزق الكثير من العوائل، لافتا الانتباه إلى أن الرامس تتميز بمنتجاتها الزراعية الفريدة وتشتهر بطماطم الرامس.

ودعا العديد لرفع الخطابات والتوجه للجهات المعنية لمحاولة إيقاف هذه المخططات، موصيّن الأهالي بالتأني والعمل على جميع الجهات القانونية لمجابهة هذا الخطر المحدق بالمنطقة.

الرامس: اعتداءات متواصلة

قامت شركة “أرامكو” النفطية بالسطو على عشرات الكيلو مترات وسوّرت مساحات ضخمة عُرفت بـ”محجوزات أرامكو” وذلك دون العودة للقائمين على وقف الرامس، ولم تقم بتقديم أي تعويضات، ناهيك عما تسببت به من إضرار بالثروات الزراعية براً و السمكية بحراً.

ففي عام 1996 قامت شركة “أرامكو” معززة بموافقة السلطات السعودية ودعمها الأمني والعسكري بالاعتداء وتجريف العديد من المزارع في وقف الرامس بهدف الاستيلاء عليها، حيث أقدمت جرافات السلطة بحضور مشرفي أرامكو وعناصر أمنية على تجريف حوالي ٤٥ مزرعة مستعينةً بالعتاد العسكري المسلح، إضافةً لتطويق المنطقة وترهيب الأهالي لتقضي على الثروة الزراعية التي اجتهد على استصلاحها مزارعي الرامس وعلى الثروة الحيوانية الموجودة في مزارعهم، ناهيك عن هدم المباني الصغيرة التي شيدها الأهالي للصلاة والاستراحة والتخزين. وتقدر المصادر الأهلية خسائر الفلاحين في حينها بما يزيد عن مليوني ريال سعودي، إضافة لقيام السلطات السعودية باعتقال عدداً من المزارعين وأهالي المنطقة آنذاك.

تبع ذلك قيام السلطات السعودية تدريجياً بدفن الجزء البحري التابع للوقف والمعروف بـ “بحر الرامس”، مما حرم مئات الصيادين من مصدر رزقهم، إضافةً لما تسبب فيه ذلك من قضاء على الحياة البحرية وما يحمله من إخلال بالتوازن الطبيعي للبيئة البحرية خاصة مع كون المنطقة تحوي أغنى غابات “القرم” على مستوى ساحل الخليج العربي.

مزارع الرامس
مزارع الرامس

وترافقت عملية الردم مع عمليات اعتقال للعشرات من المحتجين كان من ضمنهم الشيخ الشهيد نمر باقر آل نمر والشاب عادل اللباد وذلك على خلفية الاعتصام السلمي الذي قاموا به مطالبين بتنفيذ القوانين التي “تمنع دفن المناطق البحرية، إلا في حالات استثنائية ضيقة، وبعد موافقة عدة جهات رسمية.”، وهو ما افتقده المشروع في ذلك اللحين.

ويشير بعض الأهالي إلى أن عزل الوكيل الشرعي حسن بن علي عبدالله الفرج  عن إدارة وقف الرامس في عام 2016، أزال آخر حاجز يقف أمام تنفيذ مخططات الدولة لتغيير بنية وجغرافية المنطقة، حتى على حساب حياة وممتلكات وأرزاق الأهالي. وتشير المصادر إلى أنه في إطار هذا العمل التدميري قامت السلطات السعودية، يوم الجمعة 1 مارس / آذار 2019، باعتقال أيمن مهنا الزاهر عضو لجنة الرامس في بلدة العوامية، لرفضه توقيع مشروع قرار تجريف وقف الرامس.

الرامس: قصة وتجاوزات

 إما من منظور بيئي فيعد تجريف منطقة زراعية خصبة بهذا الحجم كارثة طبيعية خصوصاً مع تناقص الأراضي الزراعية النشطة في المنطقة وفي “السعودية” بشكل عام، وقد يؤدي تبعاً لذلك لزيادة نسبة التصحر وموجات الجفاف وما يحمله ذلك من مخاطر وآثار جدية على صحة الإنسان والعديد من الكائنات الحية، كانتشار للأمراض وغيرها.

كما تبدو هذه الخطوة متناقضة مع خطوات استثمارية أخرى تنفق فيها “السعودية” مليارات الدولارات في مجال الثروة الزراعية خارج البلاد، كما والحال مع تصريح وزارة التجارة العراقية في بيان أصدرته العام الماضي 2018، والذي أعلنت فيه عن وجود مجلس تنسيقي مشترك بين العراق و”السعودية” يدرس الاستثمار في مليون هكتار من الأراضي الزراعية بمحافظة الأنبار في غرب العراق.

مزارع الرامس

إضافة لذلك فقد صرح وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبد الرحمن الفضلي بأن “رؤية المملكة 2030 أولت حماية البيئة والموارد الطبيعية أهمية قصوى لما لحمايته من دور محوري في تحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع، ورؤية وزارة البيئة والمياه والزراعة تستهدف الاستغلال الأمثل للفرص والموارد المتاحة، وتحسين دخل صغار المنتجين الزراعيين، وتوفير فرص العمل، والمساهمة في الأمن الغذائي والتنمية المتوازنة”، مما يتنافى كلياً مع ما يواجهه أبناء المنطقة الآن الذين حافظوا على هذه الأرضي الزراعية واستصلحوها منذ قرن ونصف.

ويدعو النشطاء السلطات السعودية للحفاظ على ثروة زراعية وتجارية غنية عوضاً عن إهدارها في حين تؤكد فيه جميع التقارير البيئية أن تدمير المواطن الطبيعية من أكبر الكوارث التي تواجه الإنسان في العصر الحالي، حيث يفتك الردم والتجريف بالمئات من مختلف الكائنات الحية في اليوم الواحد، ناهيك عن تدمير الغابات والشعاب المرجانية وما يخلفه من إخلال بالتوازن البيئي الطبيعي للكائنات الحية عموماً.

تعد قضية “وقف الرامس” قضية ذات أبعاد قانونية وبيئية واجتماعية واقتصادية وأمنية وإنسانية بما تحمله من إرث حضاري وثقافي وتجاري/اقتصادي، وبما يمثله تجريف أراضيها الخضراء الزراعية الخصبة من مخالفة وانتهاك لتوصيات ونظم حماية البيئة العالمية والتي تهدف لتحسين البيئة البحرية عالمياً وحمايتها وزيادة المساحات الخضراء الخصبة وحماية التنوع الحيوي على سطح الأرض وتطوير موارد المياه وذلك عبر تفعيل إيقاف ردم البحار والسواحل والعمل على المحافظة على الثروة الزراعية والسمكية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك