الرئيسية - النشرة - محاكمة الشيخ المالكي ناقوس خطر يدق باب الوسطية والإعتدال

محاكمة الشيخ المالكي ناقوس خطر يدق باب الوسطية والإعتدال

الشيخ حسن فرحان المالكي هو أحد ضحايا ممارسة الحريّة الفكرية في ظل نظام سياسي لا يستوعب التعدّدية، إذ أنه قرر التعبير عن أفكاره الداعية إلى نبذ كل أشكال التمييز ضد الأقليات الدينية في البلاد وتحديداً الطائفة الشيعة، كما دعا لمحاربة الطائفية والتطرّف، بالإضافة لجرأته في التعبير عن مواقفه بصراحة تجاه قضايا سياسية ودينية مُحقة على المستويين المحلّي والإقليمي، فبات مصيره الالتحاق بسلفه الشجعان الذين تسلّحوا بقول الحق رغم خطورة النتائج، فاعتقلته السلطات السعودية في سبتمبر/ أيلول 2017 بعد مضي سنوات على منعه من السفر إلى الخارج،،،

مرآة الجزيرة

يقوم مبدأ الإقتصاص السعودي على المقاضاة الخاضعة لسلطة المسؤولين بإسم الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية. قرارات ومحاكمات أبعد ما تكون عمّا تدّعي محاربته، تزعم محاربة التطرّف والإرهاب ولا تنفكّ تمارسه حيال كل من يفكّر بالتغريد خارج سرب الخطابات الروتينية الموجّهة، فيغدو أي نشاط ديني يحمل نيّة التجديد أو آخر إجتماعي يهدف إلى الإصلاح بمثابة أعمال إرهابية تشكّل خطورة بالغة على أمن البلاد وأمان شعبها بمنظار الرؤية السعودية الضيّقة.

الشيخ حسن فرحان المالكي هو أحد ضحايا ممارسة الحريّة الفكرية في ظل نظام سياسي لا يستوعب التعدّدية، إذ أنه قرر التعبير عن أفكاره الداعية إلى نبذ كل أشكال التمييز ضد الأقليات الدينية في البلاد وتحديداً الطائفة الشيعة، كما دعا لمحاربة الطائفية والتطرّف، بالإضافة لجرأته في التعبير عن مواقفه بصراحة تجاه قضايا سياسية ودينية مُحقة على المستويين المحلّي والإقليمي، فبات مصيره الالتحاق بسلفه الشجعان الذين تسلّحوا بقول الحق رغم خطورة النتائج، فاعتقلته السلطات السعودية في سبتمبر/ أيلول 2017 بعد مضي سنوات على منعه من السفر إلى الخارج.

يُعرف الشيخ المالكي بإنتهاج الوسطية والإعتدال تجاه سائر القضايا التاريخية والدينية، ذلك أنه يتكلم بمنطق الإستدلال والإستنتاج العلمي لا من منطلق شخصنة المعلومات أو تحريف الوثائق، وهو ما جعله شديد التمحيص والتدقيق في الروايات التاريخية الحساسّة لينفي ويشكّك بأحداث وروايات غير متآلفة مع المنطق فيما يدافع بقوّة عن أخرى، وذلك بما يملي عليه موقعه الديني من مسؤولية للبحث عن الحقائق وتوعية العامّة في ظل الكم الهائل من التضليل المتعمّد والذي تنشره الأدوات الإعلامية والدينية والإدارية للنظام السعودي.

قصّة الشيخ المالكي بدأت في اكتوبر/ تشرين الأول عام 2014 حينما اعتُقل في سجن الملز بالرياض، على خلفية انتقاده للتطرف الديني في “السعودية”، ليتم الإفراج عنه بعد نحو أربعين يوماً قضاها دون أن تُوجَّه إليه تهمة رسمية ودون إجراء تحقيق معه، ثم أُعيد اعتقاله في 11 سبتمبر/ أيلول 2017 في مدينة أبها وجرى اقتياده إلى سجن المباحث السعودية بعسير، في إطار حملة اعتقالات شنَّها النظام السعودي على دعاة ومفكرين وأكاديميين أثارت انتقادات دولية واسعة، بالإضافة إلى اعتقال نجله العباس المالكي إثر نشره لتغريدات حول ظروف اعتقال والده، عبّر في ختامها عن ثباته على مواقف وآراء أبيه، وحتى كتابة هذا التقرير ليس هناك أي أخبار عن مصير الرجلين.

الباحث في الشؤون الإسلامية، عمل على إعداد مناهج دينية حديثة وحرص على التنبيه من خطورة الوهابية المتفشيّة في مناهج ابن تيمية وصحيح البخاري، حارب الأفكار المتأصّلة في تكفير الشيعة وانتقد سلوكيات الصحابة (أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم) كما وجّه انتقادات لاذعة لسياسات آل سعود الداخلية والخارجية وعبّر بوضوح عن دعمه لقضايا اليمن والبحرين وحركات المقاومة الإسلامية المناهضة للعدو الصهيوني، فكانت النتيجة حملات مهولة من والتشويه الإعلامي رافقته طيلة مسيرته البحثية فضلاً عن التهميش والمطاردات الأمنية المتتالية، ومع ذلك كله ما كان منه إلا أن قابل الإساءة بثبات وإحسان.

طالبت النيابة العامة السعودية بتنفيذ حكم القتل تعزيراً بحق الشيخ المالكي بعد إطلاقها أربعة عشر تهمة ضده، منها الطعن في السنة النبوية وإنكار الأحاديث المروية عن البخاري، انتقاد الصحابة وتكفير معاوية بن أبي سفيان، بالإضافة إلى وصف المسؤولين السعوديين بالتطرّف وتأييد حزب الله وتمجيد الثورة الإسلامية في إيران، إلى جانب زيارة اليمن وطباعة كتب خارج البلاد، وأيضاً إجرائه مقابلات تلفزيونية مع قنوات “معادية” (الجزيرة، العالم)، وغيرها من الإتهامات التي لا تنطبق عليها أي صفة جرمية وفق حقوقيون.

وفي 4 اكتوبر/ تشرين الأول من العام 2018 بدأت المحكمة الجزائية المتخصّصة بقضايا الإرهاب بعقد أولى جلسات المحاكمة وفق ما أكده موقع “إرم نيوز” التابع للنظام السعودي، للنظر في الدعوى المقدمة من النيابة السعودية التي طالبت بإنزال عقوبة القتل تعزيراً إلى جانب إغلاق كافة حساباته على مواقع التواصل الإجتماعي ومصادرة جميع مؤلفاته والحكم عليه بالحد الأعلى سجناً.

وجد الحقوقيون أن السبب الحقيقي الكامن خلف مطالبة النيابة العامة بإنزال عقوبة القتل تعزيراً بحق الشيخ المالكي هو محاربته للفكر المتطرف وسعيه الحثيث في تجفيف منابع الإرهاب المستفحلة في البلاد، وفي حين حاولت السلطات السعودية الإيحاء “بنزاهة” محاكمة الشيخ المالكي عبر الإشارة إلى حضور وسائل إعلام وممثلين عن هيئة حقوق الإنسان، شدّد الحقوقيون على أنها محاكمات صورية غير مستقلة وتحوي حملات تضليل للرأي العام كونها اقتصرت على حضور الجهات المؤيدة للإنتهاكات التي يقوم بها النظام.

وفي تصريح خاص لـ “مرآة الجزيرة” نوّه الناشط الحقوقي يحيى عسيري إلى أن السلطات السعودية تعتقل الأشخاص وتحاكمهم بسبب آرائهم سواء كانت آراء سياسية، دينية، إجتماعية وما إلى ذلك.

وأكد الحقوقي البارز أن السلطات السعودية تعتدي على حرية الرأي والتعبير وحرية المعتقد، وهو ما حصل مع الشيخ حسن المالكي الذي مارس حقّه الطبيعي في التعبير عن آرائه ومعتقداته ما عرّضه للإعتقال والمحاكمة بهذا الشكل المزري.

ووصف عسيري محاكمة الشيخ المالكي بأنها تمثّل انتهاكاً صارخاً لحقوقه كمواطن وحرياته وهو أمر مرفوض بشكل قاطع، مؤكداً بأن القضاء السعودي قضاء مسيّس وغير مستقل وما يقوم به هو مجرد تطبيق لأوامر سياسية موجّهة، بحسب قوله.

يُذكر أن مواجهة المالكي لحكم الإعدام أثار تفاعلات واسعة من قبل نشطاء وروّاد مواقع التواصل الإجتماعي، الذين نددوا باعتقاله وتوجيه التهم إليه والمطالبة بإعدامه، فيما اعتبره آخرون من أنضج العقول في البلاد وأثقلهم علماً بالتاريخ والتراث الديني وأكثرهم حرصاً على أرواح وكرامة الناس، وأنه مؤسّس لتيار فكري يقوم على الإنتقاد بتوازن دون إفراط أو تفريط.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك