الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - صفقة القرن :المضمون الاستراتيجي وسبل مواجهتها.

صفقة القرن :المضمون الاستراتيجي وسبل مواجهتها.

د. رفعت سيد أحمد – خاص مرٱة الجزيرة

إن ما سمي ب(صفقة القرن ) في تقديرنا الاستراتيجي قد بدأ تنفيذها منذ إعلان ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني في 6/12/2017 ثم سلسلة خطواته التي إنتهت بإعلان ضم الجولان لدولة الاحتلال في 25/3/2019 ،وهذا يعني أننا أمام صفقة تتم على مراحل أو خطوات وليس دفعة واحدة ومن ثم فإن الانتظار العربي من قبل بعض الساسة والمحللين للحظة تاريخية محددة سيقف فيها ترامب ليعلن عن بنود صفقته ،لهو تحليل ساذج وفي أفضل الاحوال هو تحليل قائم علي قراءة سطحية للمسار الامريكي في فهم وادارة الصراع العربي الصهيوني لصالح (إسرائيل ) بالمطلق .في هذا السياق تفهم أحداث الخليج الاخيرة والازمة مع إيران والتي يراد ترويضها هي ومحور المقاومة بأكمله ،تمهيدا لقبول الصفقة وخطواتها الاخطر القادمة ،وأيضا في هذا السياق يوضع مؤتمر البحرين القادم او ما سمي بورشة العمل الإقتصادية التي ستعقد في 25 و 26 حزيران/ يونيو المقبل والتي تحمل عنوان «السلام من أجل الازدهار»، وسيترأّس المؤتمر مستشارا البيت الأبيض جاريد كوشنر ومبعوث البيت الأبيض في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات وصقور البيت الأبيض و بومشاركة الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية وفي مقدمتها السعودية والامارات وربما مصر ،والهدف المعلن هو دعم الاقتصاد الفلسطيني ،وكأن المشكلة في الاقتصاد وليس في الاحتلال وهذا تزييف للواقع وللحقائق المرة على الارض الفلسطينية وهو ما دفع جميع الفصائل والقوى الفلسطينية الى رفض المشاركة في هذة الورشة بما في ذلك السلطة الفلسطينية وحركة فتح . الا أن الاخطر في تقديرنا بالنسبة لهذة الصفقة التي بدأت من عام 2017 وتتم علي مراحل كما كان يفعل ثعلب السياسة الخارجية الامريكية هنري كسينجر إبان توليه لوزارة الخارجية(1973-1977) من خلال ما كان يسميه بإستراتيجية الخطوة خطوة ،نقول الاخطر هو ما يخطط لتوطين الفلسطينين (6 ملايين لاجئ في الشتات ) داخل أراضي اردنية وفي سيناء المصرية ؛هذا هو الاخطر القادم ورغم الرفض المصري الرسمي والشعبي له وكذلك الرفض الفلسطيني ؛الا أن الاجراءات تتم والتحرك تجاهها يتم وفي وتيرة سرية متصاعدة وهنا نحتاج الى إلقاء بعض الضوء على ذلك المخطط وتاريخه ،حتى يتبين للقارئ وصانع القرار ،خطورته وتأثيراته السلبية على القضية الفلسطينية وفي قلبها قضية القدس التي وفق صفقة ترامب ستمحى ولن يكون للعرب والمسلمين حق فيها ..

فماذا عن مخطط توطين الفلسطينين في سيناء بإعتباره المضمون الاخطر القادم لصفقة القرن والذي سيتم تقديمه تحت مسميات مختلفة(جميلة المنظر ) قد يقبلها العقل العربي الساذج ؟

ماهية الصفقة :توطين الفلسطنين في سيناء تؤكّد وثائق الصراع في المنطقة، أن واحداً من أبرز مهدّدات الأمن القومى المصرى والفلسطيني اليوم(2019) ، هو المخطّط الإسرائيلى لتوطين الفلسطينيين في سيناء بالتآمر أو بالإغراءات، وهذا المخطّط له تاريخ طويل منذ الخمسينات وحتى اليوم، ووفقاً للوثائق المُتاحة فإن هذا المخطّط بدأ منذ 1953، وقد رفضه عبد الناصر . والمخطّط بأكمله منشور فى كتاب اسمه “خنجر إسرائيل” والكتاب عبارة عن تصريحات موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلى وقتها عن خطته لتقسيم العرب واحتلالهم.

وفي العام 1955 حاولت منظمة الأونروا خديعة عبد الناصر بحجج تبدو إنسانية وطلبت منه تخصيص 230 ألف فدان لإقامة مشاريع للفلسطينيين المطرودين من المحتل ورفض عبد الناصر، وفي عام 1967 قام آرييل شارون وكان قائد القوات الإسرائيلية في قطاع غزّة بتقديم مشروعه الذي هو نسخة محدثة من المشروع السابق، وكان مبرّره أن المشروع لا يهدف سوى لتخفيف الكثافة السكانية في قطاع غزّة المزدحم لكنه أُلحِقَ بتقديم المشروع تحرك عملي منه على طريقته الخاصة بشقّ شوارع في المخيمات الرئيسية في قطاع غزةّ لتسهيل مرور القوات إلى المخيمات، ما أدّى إلى هدْم الآلاف من المنازل ونقل أصحابها إلى مخيم كندا داخل الأراضي المصرية، وبعد توقيع اتفاقية السلام مع مصر رفضت إسرائيل عودة هؤلاء إلى الأراضي الفلسطينية ليصبح مشروع آرييل شارون هو حتى اللحظة المشروع الإسرائيلي الأكثر نجاحاً والذى أسّس للمشاريع اللاحقة.

وفي سنة 2003 قامت المجلة الدورية لوزارة الدفاع الأميركية بنشر خرائط تقسيم الدول العربية التي وضعها اليهودي برنارد لويس وبها إشارة لهذا المخطط، وفي سنة 2005 نفّذت الحكومة الإسرائيلية انسحاباً من قطاع غزّة كبداية كما أعلن لبدء تنفيذه، وفي عام 2006 قامت حركة حماس بحُكم غزّة بعد صراعات مع السلطة الفلسطينية ومحمّد دحلان، وفي عام 2010 – وفي 38 صفحة – جاءت أخطر وثيقة إسرائيلية في هذا المجال وهي وثيقة مستشار الأمن القومى الإسرائيلى السابق اللواء احتياط، جيورا إيلاند، ويطرح فيها أن مملكة الأردن هي دولة الفلسطينيين، وبوضعها الجديد ستكون من ثلاثة أقاليم تضمّ الضفّتين الغربية والشرقية وغزّة الكبرى التي تأخذ جزءاً من مصر.

وقال إيلاند أن إسرائيل نجحت بجهود سرّية خصوصاً في إقناع الولايات المتحدة الأميركية بالضغط علي العرب للاشتراك في حل إقليمي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، يقوم على استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات ضخمة من الضفة الغربية، مقابل تعويض الفلسطينيين، بمساحات ضخمة من شبه جزيرة سيناء لإنشاء دولة فلسطينية مستقرّة وقادرة على النمو والمنافسة.

لكن أخطر ما كشفه إيلاند هو أن عملية الانسحاب الأحادي الجانب من غزّة عام 2005 كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، وهو ما رفضته مصر ولاتزال، لأنها تعرف وتدرك مدى المخططات الإسرائيلية على أمن مصر القومي ، ولقد بُنيَ الاقتراح الإسرائيلى على الآتي : تنقل مصر إلى غزّة مناطق مساحتها نحو 720 كيلومتراً. وتشمل هذه المنطقة جزءاً من الشريط المبني الممتد على طول 24 كيلومتراً على طول شاطىء البحر المتوسط من رفح غرباً حتي العريش. بالإضافة إلى شريط يقع غرب كرم سالم جنوباً، ويمتد على طول الحدود بين إسرائيل ومصر. وتؤدي هذه الزيادة، إلى مضاعفة حجم قطاع غزّة البالغ حالياً 365 كيلومتراً نحو ثلاث مرات. توازي مساحة 720 كيلومتراً حوالى 12 في المئة من أراضي الضفة الغربية. ومقابل هذه الزيادة على أراضي غزّة، يتنازل الفلسطينيون عن 12في المئة من أراضي الضفة التي ستضمّها إسرائيل إليها.

هذا ولقد رفض الفلسطينيون والمصريون على مرّ تجارب الحُكم منذ عبدالناصر وحتى السيسي، هذا المخطّط وإن كانت الضغوط مستمرة لتنفيذه، من قبل أميركا وإسرائيل والاتحاد الأوروبى وبعض الدول الإقليمية ذات العلاقة الاستراتيجية النفطية والعسكرية مع إسرائيل، ونقصد بها تحديدا دول الخليج ،وما ورشة البحرين الاقتصادية في يونيو /حزيران 2019 ،سوى مقدمة لتنفيذ هذا المخطط ،بإعتباره أهم مراحل صفقة القرن وأكثرها صعوبة . سبل المواجهة إننا من المؤمنين بأن المقاومة بمفهومها الواسع الذي يبدأ بالكلمة وينتهي بالبندقية ،هي السبيل الامثل للإفشال أية صفقات مع الاحتلال وتحديدا صفقة القرن سواء بخطواتها التي نفذت أوتلك التي قيد التنفيذ ، وهذا يستدعي وحدة القوى المقاومة في فلسطين وخارجها مع التنسيق الكامل بينها وفي موازة ذلك إحياء حركات مقاومة التطبيع ومقاطعة الكيان الصهيوني والدفاع عن فلسطين والقدس ،كل ذلك سيكون هو المعول الذي به ستسقط تلك الصفقة ، وفي ذلك فلتنافس المتنافسون .

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك