ــالنشرةحقوق الانسانحكايات السجون

حكايات السجون: الشهيد مصطفى آل درويش يكتب براءته بدمائه!

مرآة الجزيرة

“بصفتي المدعو مصطفى هاشم عيسى آل درويش أتقدّم برفضي واعتراضي على التهم الموجّهة ضدي”، بهذه العبارة المليئة بالتحدّي والرفض لقرار السلطات السعودية الجائر، استهلّ الشهيد مصطفى رسالته الموجّهة إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في الرياض، والتي فنّد فيها مزاعم الإتهامات التي ألحقت به عقب مشاركته في حراك القطيف عام 2011. المعتقل تعسّفياً قضى ستّ سنوات في أقبية السجون السعودية تعرّض خلالها لمختلف صنوف التعذيب الجسدي والنفسي ثم انتهى فيه المطاف شهيداً بعدما أقدم النظام السعودي يوم الثلاثاء 15 يونيو/ تموز 2021 على تنفيذ حكم القتل تعزيراً بحقّه.

اعتُقل ابن جزيرة تاروت في القطيف، وهو قاصر بعمر 17 عام، ثم وجّهت إليه اتهامات مزعومة جرت محاكمته على أساسها رغم عدم وجود أيّة أدلّة تدين الضحية. بعد طلب إدارة مباحث الدمام التحقيق معه، قام والده المحامي هاشم آل درويش بتسليمه إلى الشرطة، وتمكّن من إخراجه بكفالة مالية، ثم سلّمه إلى الشرطة لإنهاء القضية ومعرفة التهم الموجه إلى ابنه، وهو ما بيّنه في الرسالة التي كتبها إلى المحكمة الجزائية المتخصصة. على إثرها نقل الشاب مصطفى إلى المباحث وتعرَّض للتعذيب والتنكيل والانتهاكات، ولُفِّقت إليه أكثر من 13 تهمة، وأجبر على التوقيع على ما كتبه المحققون من اتهامات مزعومة، تحت وطأة التعذيب والتهديد.

في الرسالة التي كتبها مصطفى بخط يده، دافع عن نفسه من خلال تقديم أربعة أدلّة دامغة على براءته، وقال: أولاً: “لم يتم القبض عليّ، أنا من بادر بتسليم نفسه إلى مركز الشرطة عندما تم الإتصال بوالدي بتاريخ: 2 /8 /1436ه، يوم الأربعاء، وتم إيداعي في سجن المباحث بتاريح 7/8/ 1436ه يوم الإثنين”. وتابع: “ثانياً: أنكر التهم الموجّهة لي بأنني أطلقت النار على الدوريات الأمنية وتصنيع واستعمال ورمي قنابل المولوتوف وحيازة سلاح ناري من نوع مسدس وتستري على مطلوبين أمنيين”.

الشهيد المغدور شدّد على أنه ليست هناك أدلّة تثبت الإتهامات المفبركة ضده، وكتب: “في تصديقي الشرعي لا يوجد التهمة الموجّهة لي في لائحة الدعوى بأنني أطلقت النار على دورية أمنية عند بنك الرياض، إنني أنكر التهمة الموجّهة لي وإذا كانت صحيحة أطلب من المدعي العام الأدلّة الصحيحة: الصور التي ذكرها (19 صورة) وفيديو إطلاق النار من بنك الرياض بحيث تم إطلاق النار عند بنك الرياض وبحكم وجود كاميرات خارج البنك من جميع الإتجاهات”. وأضاف: “رابعاً: تمسّكي أمام فضيلتكم بأن معظم ما ورد في الإقرار كان إملاء المحقق وإنه تم إكراهي بالضرب والتعذيب الجسدي والنفسي على توقيع الإقرار حيث تعرضت للتهديد من قبل المحقق والتشهير والحرمان من النوم وضربي بالعصا والأسلاك الكهربائية وإهانتي بالصفع على جسدي وإجباري على رفع يدي إلى الأعلى والوقوف فترة طويلة على هذا الحال، ومعظم الضرب الذي تعرضت له كان في مناطق حساسة في حجسدي وأتمسك أمام فضيلتكم في ردي الدعوى بالدفع بوقوع إكراه أدى إلى توقيع الإقرار”.

بعد انتهائه من تفنيد نقاط براءته، ذيّل الشهيد مصطفى رسالته بالملاحظة التالية: “لا يوجد أدلة واعترافات بأنني أطلقت النار على الدوريات ورميت قنابل المولوتوف وحيازة السلاح، لو فعلت هذه التهم الموجّهة لي الخطيرة والمسيئة إلى الدولة وولاة أمرنا لما بادرت بتسليم نفسي لكنت خائفاً من العواقب التي ستطالني وتردعني وتزجرني”.

وأردف: “مع العلم أني إنسان مسالم ولا يوجد لي سوابق في مراكز الشرطة وأني لم أتجرّأ في يوم بإيذاء نفس ومضايقتها فما بالكم بمحاولة أو شروع في قتل نفس بريئة تحمي الدولة حفظها الله بدم بارد، لأنه هذه ليست من شيم المسلم وأنا مسلم عابد إلى الله مطيع كلامه وأوامره كما قال الله في محكم كتابه الكريم في ضوء الآية الكريمة: ومن قتل منكم نفس بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً”.

تعود أسباب اعتقال مصطفى إلى مشاركته في مظاهرات القطيف عام 2011، والتي اندلعت ضد النظام السعودي للمطالبة بمنح الحقوق الإجتماعية والسياسية لكافة المواطنين بشكلٍ عادل. وبعد اعتقاله لسنوات أقدم النظام السعودي على إعدامه ورفض تسليم جثمانه إلى أهله ليحتجزه في مكان مجهول بتهمة “الخروج على ولي الأمر”. وأيضاً منعت السلطات السعودية وسائل الإعلام من نشر روابط “مجموعات التعزية” الخاصة بالشهيد مصطفى آل درويش من أهالي جزيرة تاروت في القطيف، إذ سادت عادة إقامة مجالس العزاء إلكترونياً بدلاً من الحضور الشخصي بسبب جائحة كورونا.

الجدير بالذكر أن النظام السعودي يحتجز آلاف الأشخاص لفترات زمنية طويلة قد تصل لعقد من الزمن، دون إخضاعهم لإجراءات جنائية أمام المحاكم. مع العلم أنه حين يحوّل المعتقلين إلى المحاكم يفرض عليهم اتهامات مفبركة دون أدلة، ويمنعهم من الدفاع عن أنفسهم من خلال رفض الإتهامات أو الإستعانة بمحامي. منظمات حقوقية ترصد تزايد أعداد أحكام الإعدام بحق القاصرين داخل “السعودية” خلال السنوات الأخيرة، وعدم التزام السلطات السعودية بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة، وهو ما يؤكد أن النظام الجنائي السعودي ما زال جائراً لم يطرؤ عليه أي تجديد، عكس ما يحاول محمد بن سلمان تسويقه في “رؤية السعودية 2030”.

ورغم مظاهر الإنفتاح التي يبديها النظام السعودي في البلاد، تؤكد منظمات حقوقية على تزايد أعداد الإعتقالات والإعدام في البلاد، إذ بيّنت منظمة “ريبريف” المعنية بحقوق الإنسان في بريطانيا، إن أحكام الإعدام تضاعفت في “السعودية” خلال السنوات الخمس الأخيرة، وطالت 37 شخصاً قبل نحو عام، لدوافع سياسية. كما أشارت إلى أن “السعودية” نفّذت 423 حكم إعدام بين عامي 2009 و2014. وأضافت المنظمة أن تنفيذ أحكام الإعدام في “السعودية” تضاعف بين عامي 2015 و2020، حيث تم إعدام 800 شخص.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى