ــالنشرةبختم كربلاءتقارير

انتفاضة محرم 1400.. تضحيات على طريق الخلاص

مرآة الجزيرة

يعود شهر المحرم في كل عام حاملاً معه انتفاضة محرم 1400ه في القطيف، بعنفوانها ووقعها وبطولات أبنائها وتضحياتهم التي لا تزال تراوح مكانها في الذاكرة الجمعية، إذ لا يمكن التعاطي مع انتفاضة محرم كحدث تاريخي عابر ذات خصوصية جغرافية وزمنية، لأنها كانت بحد ذاتها تاريخ وإرث وهوية، أسست لمراحل لاحقة من أشكال الكفاح في الجزيرة العربية، بلغت ذروتها في حراك عام 2011 بقيادة شيخ المجاهدين الشهيد نمر باقر النمر.

الإنتفاضة الخالدة اندلعت بعد سنواتٍ من الإحتقان نتيجة الحرمان الإجتماعي الذي عايشته القطيف، المنطقة التي كانت تعوم على بحورٍ من النفط وتغرق في أزمات الفقر والبطالة، فكان انتصار الثورة الإسلامية في إيران، واتخاذ الولايات المتحدة قاعدة مطار الظهران لتحاصر الجارة الثائرة، بمثابة الشرارة التي أضرمت نيران الثورة في النفوس المحقونة فتجلّى ذلك بهبّة جماهيرية في ليلة 6 محرم، أي ليلة الإنطلاقة الفعلية للإنتفاضة.

ما حصل في السادس من محرم هو ارتفاع الحرارة الثورية في مجالس العزاء والمحاضرات، إذ دارت أحاديث الخطباء في القطيف والقرى المجاورة حول ضرورة مواجهة الظلم وعدم الخوف من الإرهاب والطاغوت مهما بلغ من القوة لأن الإنسان في مثل هذه الحالة يكون قد “باع نفسه إلى الله”. وقد شكّلت هذه المحاضرات الإحياء العاشورائي الأمثل لواقعة كربلاء بحيث جرى توظيف قيم ومفاهيم وعِبر هذه الواقعة بواقع الحياة السياسية والإجتماعية في الجزيرة العربية آنذاك. وما أن انتهت المحاضرة حتى وقف أحد الشبان وأخذ يصيح “الله أكبر”، وكان هذا النداء كافياً لإشعال المجلس فراح الناس يصرخون من أعماق قلوبهم “الله أكبر.. الله أكبر” وتهافتوا نحو الخارج في مظاهرة حاشدة تردّدت فيها شعارات الثورة الإسلامية، وكان أبرزها: “عاشورنا حسيني.. قائدنا خميني”. بالإضافة لشعارات الوحدة الإسلامية مثل “عباس حامل اللوا السنة والشيعة سوا”.

استمرت وتيرة المظاهرات التي بلغ عديدها الآلاف من مختلف أنحاء القطيف والمناطق المجاورة، لتبلغ ذروتها ليلة 9 محرم. وفي هذه الليلة الدموية سقط الرسالي سعيد عيسى مدن الذي قدم من مدينة صفوى، واستشهد في القطيف. ما إن وصل الخبر إلى الأهالي باشروا بمظاهرات متصلة من صفوى إلى سيهات لتشييع الشهيد جددوا فيها روح النقمة على آل سعود. وفي الصباح وجّه خطباء المآتم الحسينية الناس ليخرجوا في تشييع الشهيد أيضاً رجالاً نساءاً ومن كل الأعمار وكل المناطق لا سيما العوامية وسيهات وأم الحمام وتاروت والبحاري وسنابس والجارودية وغيرها من القرى. حتى بلغ عددهم 24 ألف شخص. وأخذت مكبرات الصوت تبث من المقبرة “إن الموت لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة”، ما زاد من حدة الحماس في صفوف الجماهير فتحولت مشاعر الحزن والألم إلى شجاعة وإقدام، ودارت مواجهات عنيفة بين الجماهير وقوات السلطة ثم أكملت المسيرات طريقها.

إثر ذلك مباشرةً، عمدت القوات السعودية إلى إخماد الإنتفاضة بوحشيّة غير مسبوقة، فانقضّت على المتظاهرين مطلقةً الرصاص الحي، بعدما أعطيت الإشارة لمجموعة من جنود الحرس الوطني الذين كانوا مستعدين خلف مدافع الرشاشات وقد بدأ المتظاهرون يتساقطون واحداً تلو الآخر بين جريح وشهيد. وكان في طليعة الشهداء: علي محمد علي المعلم، مكي علي ناصر، مالك عبد الرزاق آل مدن، علي أحمد البحراني، سلمان آل رهين، حسن كريم آل إبراهيم، عبد الوهاب عبدالله عواد. كما سقط 37 جريحاً بينهم 3 نساء، ثم عادت القوات السعودية مرة أخرى وأطلقت النار على جنازة الشهيد سعيد المدن فمزقوا جسده الطاهر بعشرين رصاصة وحينما حاول المتظاهرين انقاذ الجرحى انهالت عليهم قوات الحرس الوطني بوابل من الرصاص الحي، كان ذلك في صفوى.

بقيت القوت السعودية حتى ليلة 10 محرم تقصف المتظاهرين في القطيف المحاصرة بوابلٍ من الرصاص الحي، بعدما طوّقت جميع مداخل المدينة، ونشرت القناصون في مناطق استراتيجية حيث راحت رصاصاتهم تنال من كل شخص يتواجد في الشارع. وفي هذه الليلة تمكنت القوات السعودية من الدخول إلى المدن والقرى مسنودةً برصاص تطلقه طائرات الهليوكوبتر ففتحت الطريق في مدينة العوامية والقطيف وصفوى وبقية المناطق الأخرى، واستمرت الأمور على هذا النحو، حتى مساء 11 محرم، حينما جرى منع دخول السيارات وقنص كل من يتواجد في الشارع لأي سبب كان، ما أسفر عن ارتقاء قرابة 30 شهيداً بينهم أطفال ونساء بالإضافة إلى إصابة واعتقال المئات.

ورغم انقضاء أربعين عاماً على انتفاضة محرم، لا تزال السلطات السعودية تستذكر تفاصيل هذه الواقعة الأليمة التي هزّت عروشاً تحسب نفسها متجذّرة في الأرض للأبد، وهو ما يدفعها لتشديد الخناق على الشيعة لثنيهم عن إحياء واقعة كربلاء. تجلّت هذه المضايقات في صورٍ عدّة أبرزها تحطيم مواكب إطعام الناس على حب الحسين والإعتداءات المباشرة على الناس في الحسينيات والمساجد واعتقال علماء الدين والرواديد وإزالة اللافتات والأعلام، إلى أن انتشرت جائحة كورونا، فتذرّعت سلطات الرياض بها لمنع الناس من إقامة العزاء على آل بيت رسول الله (ص)، رغم أنها ترعى التجمعات غير المنضبطة في الحفلات الموسيقية والغنائية والملاعب الرياضية والمطاعم ومختلف المؤسسات الترفيهية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى