ــالنشرةحقوق الانسان

مع المعتقلين | محكمة الاستئناف تصادق حكم الإعدام بحق المعتقل محمد الشاخوري

مرآة الجزيرة – زينب فرحات

بافتراءٍ واضحٍ وبمنطقٍ انتقاميّ، تحتجز السلطات السعودية المعتقل تعسفياً السيد محمد علوي الشاخوري (20/ يوليو 1984)، ابن بلدة العوامية، منذ عام 2017. أكثر من 4 سنوات لم تقدم السلطات السعودية فيها دليلاً واحداً يدين المتهم بالجرائم المهولة التي أُسندت إليه، ومع ذلك أمعنت في تعذيبه جسدياً ونفسياً، حتى انتهى المطاف بإصدار حكم الإعدام، في مشهدية تعكس مهزلة المحاكمات السعودية.

أصدرت المحكمة الجزائية المتخصّصة الحكم الإبتدائي بالقتل تعزيراً ضد معتقل الرأي في 21 فبراير/ شباط 2021. وفي 2 أغسطس/ آب 2021، عقدت في الرياض جلسة الإستئناف الأخيرة للمعتقل السيد محمد وتم تأييد الحكم الصادر ضده بالقتل تعزيراً وإحالة القضية إلى المحكمة العليا، ليكون هذا القرار التعسفي تتويجاً لسلسلة اتهامات انتقامية تعرض لها الشاخوري نتيجة مشاركته في الحراك السلمي المطلبي في القطيف عام 2011. 

الإخفاء القسري

تعرض الشاخوري للإخفاء القسري في 17 أبريل/ نيسان 2017، إذ اعتقل من أحد الحواجز المنتشرة في بلدته العوامية واختفى دون معرفة مصيره. على إثرها سارعت الأسرة في البحث والسؤال عنه بين المستشفيات ومراكز الشرطة طوال 3 أيام دون فائدة وفي اليوم الثالث، أي في 20 أبريل/ نيسان 2017، قامت القوات السعودية على طريقة السطو والعصابات المسلحة، بتطويق الحي الذي يقع فيه منزل الأسرة بالمدرعات والعربات المصفحة واقتحمت قوة عسكرية ومعهم أشخاص بلباس مدني من المباحث المنزل وهم يصطحبون محمد مكبلاً بالقيود أثناء مداهمة منزل أسرته، في مشهدية مروّعة تحاكي واقع الإستهداف الممنهج الذي يتعرض له أبناء القطيف والأحساء.

منع التواصل

عقب الإخفاء القسري الذي تعرّض له الشاخوري والإعتداء السافر على منزله، انقطع تواصل الأسرة معه. هنا طالبت الأسرة السطات السعودية بالتواصل معه لكن الأخيرة رفضت تزويدها بأية معلومات عن مصيره أو السماح لها بتعيين محام للتواصل معه ومعرفة ملابسات وأسباب اعتقاله. ذهب والده إلى شرطة القطيف ثم إلى مباحث القطيف بشكل متكرر في محاولة لمعرفة مكان اعتقال ابنه، إلى أن أبلغته السلطات أن ابنه محتجز في سجن المباحث في الرياض، إلا أنه جرى رفض طلباته بمقابلة ابنه أو الإتصال به.

ثماني شهور على الإعتقال مضت بضيم ومرارة على الأسرة المكلومة التي كانت تتوق إلى خبرٍ عن السيد محمد، كما تكشف مصادر حقوقية وثيقة الصلة بالمعتقل، في حديث خاص لمرآة الجزيرة. المصادر بيّنت أن أول لقاء حصل بين المعتقل وعائلته حدث بعد ثماني شهور من اعتقاله، ليتم تنظيم زيارة شهرية واتصال اسبوعي لاحقاً، لكنه منع من الزيارة والاتصال عند نقله الى سجن مباحث الرياض. كان قد سمح للسيد شاخوري، الزيارة المنتظمة إلى ما قبل انتشار جائحة كوفيد19، ثم استغلت السلطات السعودية الوباء لمنع الزيارة بل حتى لمنع الإتصال لمدد تتراوح بين 3 أشهر وحتى 6 أشهر، مع تقييد الزيارة ب3 أشخاص فقط ومنع زيارة الوالدين بذريعة كبر سنهما. وتؤكد المصادر أنه لم يسمح لأحد بزيارته خلال فترة التحقيق ولم يعين له محامي.

تعذيب وحشي

صبّت إدارة سجن المباحث جام غضبها على المعتقل المغدور، وتفنّنت بمختلف صنوف التعذيب. بحسب المصادر، نتج عن التعذيب المفرط آلام في الظهر والأضلاع واسوداده، وكذلك في الأرجل والجانبين حول البطن والكلى بسبب الضرب بكيابل الكمبيوتر المعجفة ببعضها. الآلام المهولة حرمته من النوم على ظهره فاضطر للنوم على البطن لأسابيع، فضلاً عن تعرضه لنزيف دم من ظاهر اليدين وباطن القدمين ومناطق أخرى من جسمه. فقد الشاخوري كافة أسنانه بسبب اللكم على الوجه وإصابته بأمراض في الأسنان دون توفير العلاج اللازم. من التعذيب الذي تعرض له أيضاً، تضيف المصادر، الجلد بالاسلاك الكهربائية المعكوفة،
الصعق بالكهرباء، التسهير، الإيقاف مع رفع اليدين لساعات متواصلة، الركل والصفع على الأماكن الحساسة (الأعضاء التناسلية) والوجه والرأس. وكانت آثار التنكيل بارزة على الشاخوري خلال اللقاء الأول الذي جمعه بأسرته، إذ لاحظت الأخيرة أنه فقد جميع أسنانه تقريباً، هزاله البدني، وشكواه من الآلام المستمرة في البطن والرأس. كل ذلك كان يحصل والمعتقل ممنوع من العرض على الطبيب طوال العام الأول، ثم جرى عرضه على طبيب السجن ولكن من دون أن يوفر له الدواء، فقد رفضت إدارة السجن إدخال الأدوية التي أحضرتها له أسرته، تقول المصادر.

حكم جائر

في يوليو/ تموز 2019، وبعد أكثر من عامين على اعتقاله، عقدت أولى جلسات محاكمة الشاخوري في المحكمة الجزائية المتخصصة، ولم يتم تعيين محام له إلا بعد انعقاد أكثر من جلسة محاكمة. جاءت الإتهامات التي وجهتها النيابة العامة معلّبة وجاهزة، وكما جرت العادة بدون أية أدلة تثبت مصداقيتها كمختلف الإتهامات التي تعرّض لها أبناء القطيف الذين شاركوا في حراك 2011 المطلبي والسلمي. من الإتهامات المفبركة التي وجهت له: السعي لزعزعة النسيج الإجتماعي والتماسك الوطني من خلال الدعوة إلى الإعتصامات والتظاهرات ورفع الشعارات المناهضة للدولة، حيازة واستخدام الأسلحة، حيازة صور ومعلومات لأفراد تعتبرهم الدول إرهابيين. لم ينته الأمر هنا، بل عمدت السلطات السعودية إلى انتزاع الإعترافات من السيد الشاخوري تحت التعذيب، وعلى هذا الأساس جرى إصدار وتأييد حكم الإعدام تعزيراً بحق المعتقل تعسفياً.

حمل الحكم في طياته الكثير من الإنتهاكات، تغيير القضاة بين جلسة وأخرى، وتبديل المدعي العام في قضية واحدة. ومن بين الانتهاكات التي ترد في صك الحكم، أن القاضي بدر الدين بن عبدالله الريس الذي أصدر الحكم بالقتل تعزيراً يقر بأن المعتقل الشاخوري نفى ما وجه إليه من اتهامات من المدعي العام سعيد بن محمد آل رفده، والمدعي العام الثاني الذي تبدل، أحمد بن عقيل بن عبدالله الصقيه، وبذلك يكون القاضي يقر بنفي الإتهامات ويتلاعب بطريقة الإعدام. ثم يقول إنه يتجنب الحكم عليه بالقتل حداً لوجود الشبهة، ولكنه يحكم عليه بالقتل تعزيراً، في التفاف واضح وفاضح في الأحكام وصيغتها وتسميتها. 

وتعليقاً على الحكم الجائر الذي صدر بحق السيد شاخوري، تؤكد المصادر الحقوقية أن الإنتهاكات التي ارتكبت بحق السيد شاخوري تعد سقطة مدويّة للإصلاحات التي تروّج لها السلطات السعودية حول صدور أحكام جديدة وخاصة بحق أفراد لم يتهموا بجرائم عنيفة وبعد محاكمات جائرة. وهو يعكس إصرار النظام السعودي على المضي في إصدار الأحكام التعسفية وممارسة سياسة التصفية الإنتقامية، خاصة أن الشاخوري سُلب حقه الطبيعي في الدفاع عن النفس، وتعرض للإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة.

من جهتها اعتبرت منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” أن معاملة السلطات السعودية لمحمد، من إعتقاله التعسفي، وإختفائه قسرياً، وتعذيبه، وحرمانه من حقوق المحاكمة العادلة، تتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتشكل إنتهاكات لإلتزامات “السعودية” بموجب المعاهدات الدولية، سيما إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة (CAT) التي هي طرف فيها. تتعارض هذه المعاملة أيضاً مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي على الرغم من أن المملكة العربية السعودية ليست طرفًا فيه، إلا أنه يشكل القانون الدولي العرفي.

وطالبت المنظمة الحقوقية، السلطات السعودية بإلغاء حكم الإعدام الصادر بحق محمد لأنه تم التوصل إليه من خلال محاكمة غير عادلة وإعتراف قسري. ودعت السلطات السعودية إلى التحقيق في التعذيب الذي تعرض له محمد ومحاسبة الجناة. كما حثّت السلطات السعودية على إنهاء التمييز والإضطهاد ضد نشطاء حقوق الإنسان الشيعة وأقاربهم.

تريد السلطات السعودية وفق متابعون، بإصدارها لقرار إعدام السيد محمد الشاخوري إيصال رسالة للشيعة في القطيف والأحساء أن هذه المنطقة ستبقى غير آمنة لأنها قررت الإنتفاضة ومواجهة الظلم والإعتراض على الحكم الجائر، هذه أسباب كافية بالنسبة للنظام كي يعمد إلى تصفية كل من شارك في حراك القطيف ولو لم يرتكب أية أعمال جرمية تدعو لاعتقاله خاصة وأن التظاهرات حق لكافة شعوب العالم يكفله القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

رسالة أخرى وجّهتها السلطات السعودية للداخل الشيعي في هذا القرار الذي يتزامن مع المحادثات الإيرانية السعودية، الرياض تقول في هذا التصعيد بقرارت الإعدام أن أي تقارب في ملف العلاقات مع طهران لن ينعكس على الداخل في القطيف والأحساء، بل ستبقى هذه للمنطقة متوترة، بغض النظر عن أية حسابات أخرى مع إيران.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى