ــالنشرةتحليلات

هل تستثمر الرياض في انقلاب تونس؟

عامر الحسن ـ مرآة الجزيرة

يعكس انقلاب الرئيس التونسي قيس السعيد على حكومة الغنوشي وجهاً جديداً لتحارب التيارين الوهابي والإخواني في المنطقة. هذا لا يعني أن السعيد وهابي، لكن الترحيب السعودي بالحدث ودعم المسؤولين السعوديين لإجراءات وتحركات سعيد، بالإضافة إلى دفع الرياض نحو عزل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي (الإخواني) عن منصبه في تولي رئاسة مجلس النواب، كفيل بإظهار مدى توافق الرؤية الوهابية مع قرارات السعيد.

استناداِ إلى الفصل 80 من دستور 2014 والذي يخوّله اتّخاذ تدابير استثنائية في مواجهة “خطر داهم”، أصدر الوئيس سعيد أوامر رئاسية قضت خصوصاً بتجميد أعمال البرلمان لثلاثين يوماً وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي وتولّي السلطة التنفيذية بنفسه. وقبل انقضاء مهلة الثلاثين يوماً، قالت الرئاسة في بيان مقتضب عبر “فسبوك” إنّ سعيّد “أصدر أمراً رئاسياً يقضي بالتمديد في التدابير الاستثنائية المتّخذة بمقتضى الأمر الرئاسي (…) المتعلّق بتعليق اختصاصات مجلس نواب الشعب وبرفع الحصانة البرلمانية عن كلّ أعضائه، وذلك إلى غاية إشعار آخر”.

استغلت حركة “النهضة” أزمة كورونا وتعثر الأوضاع الصحية والإجتماعية في البلاد لإسقاط حكومة الرئيس التي رأسها إلياس الفخفاخ بعد اتّهام الأخير بتضارب المصالح، وخوض حرب إعلامية ضدّه لكسر التعاطف الشعبي معه. بعد استقالة الفخاخ، قام سعيّد بتكليف مستشاره القانوني، هشام المشيشي، بتشكيل الحكومة في 25 تموز 2020، ولينطلق فصل جديد من الحكم.

سارع المشيشي إلى التكليف، بحيث وضع خريطة طريق تقوم أساساً على عزل سعيد وتهميش دوره. جرت إقالة جميع الوزراء الذين اقترحهم الرئيس في شباط 2021، وتعويضهم بأسماء تحظى بموافقة “النهضة”، لكن رغم نيل هؤلاء الثقة من البرلمان، إلا أن سعيد رفض أداءهم اليمين الدستورية، واعتبر مسار تعيينهم مخالفاً للدستور. وبالتالي، كانت هذه المحطّة أوّل فصول الحرب بين القطبين، لتتتالى تصريحات الائتلاف الحاكم المُهدّدة بالردّ دستورياً عبر عزل الرئيس بعد “الخرق الجسيم للدستور”.

انقلاب الرئيس جاء تتويجاً لمرحلة من العداء الذي يكنّه حزب “النهضة” الإسلامي، أكبر الأحزاب تمثيلاً في البرلمان والغريم الأول لرئيس الجمهورية. وفي حين رأت النهضة في هذه التدابير الاستثنائية انقلاباً على المؤسّسات، رحّب الكثير من التونسيين بإجراءات سعيد بعدما سئموا من الطبقة السياسية وينتظرون تحركاً صارماً لمكافحة الفساد والافلات من العقاب في بلد يعاني من أزمة اجتماعية واقتصادية وصحية صعبة جداً.

بدا لافتاً الدعم السعودي لإجراءات الرئيس سعيد، ففي بيان قال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، إن ما يحدث في تونس شأن داخلي وأمر سيادي”، معبّراً عن “وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب تونس”. وأضاف: “أكدت للرئيس قيس سعيد احترام السعودية لكل ما يتعلق بالشأن الداخلي التونسي وتعتبره أمرا سيادياً”. ثم أردف: “نقلت إلى فخامته (سعيّد) وقوف المملكة العربية السعودية إلى جانب تونس الشقيقة في كل ما يدعم أمنها واستقرارها”.

جاء ذلك في أعقاب إعلان سعيد عن اجتماع طارئ مع قيادات عسكرية وأمنية، إقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، على أن يتولى هو بنفسه السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة يعين رئيسها، وتجميد اختصاصات البرلمان لمدة 30 يوما، ورفع الحصانة عن النواب، وترؤسه النيابة العامة. ورداً على التساؤلات التي وجهت له لمعرفة الأسباب، أكد سعيد أنه اتخذ هذه القرارات الإستثنائية لـ”إنقاذ الدولة التونسية”.

مصادر سعودية كشفت عن دعم ولي العهد محمد بن سلمان انقلاب رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد وتجميده عمل البرلمان. وقالت إن محمد بن سلمان هاتف قبل يومين سراً قيس سعيد وحرضه على حل البرلمان لعزل حزب النهضة الإسلامي عن المشهد السياسي في البلاد. المصادر ذكرت أن ابن سلمان أكد دعمه الشخصي لخطوات الرئيس التونسي حال اتخاذه إجراءات حازمة ضد حزب النهضة وتولي السلطة بنفسه وهو ما تم بالفعل، ذلك أن لم ينس ما واجهه في 27 تشرين ثاني/نوفمبر 2018 من احتجاجات شعبية واسعة ضد زيارته العاصمة تونس، على خلفية تورجه بجريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي.

في الأيام الأخيرة، اتخذ التقارب السعودي التونسي شكلاً آخر، بعد إعلان السلطات الأمنية التونسية، أنها تمكنت من الإطاحة بإرهابي خطط لاغتيال الرئيس قيس سعيّد خلال زيارة كان سيؤديها إلى إحدى المدن الساحلية، الواقعة شرقي تونس. تولت كل من “العربية” و”الحدث” الكشف عن ملابسات القضية، لتخرح سريعاً بالقول إن المشتبه به هو تونسي الجنسية ينتمي لتنظيم “داعش”، وتسلل مؤخراً من ليبيا حيث تلقى تدريباته، فيما ظهر مستشار الرئيس التونسي عبر شاشة “العربية” للحديث عن “محاولة تشويش على محاولات الإصلاح التي يقوم بها الرئيس سعيد”، مشيراً الى أن “الوضع الأمني في المنطقة هش”. وأضاف: “ننسق مع الجانب الليبي في الشق الأمني”. أما صحيفة “الشرق اليومية”، فذكرت أن المتهم الذي كان يحضر لعملية اغتيال تستهدف رئيس الجمهورية، تم القبض عليه خلال الساعات الماضية، وهو أحد الذئاب المنفردة، مشيرة إلى أن الأبحاث انطلقت معه وهو رهن التحقيق.

لا يزال الرئيس سعيد مستمراً في قرارته، فقد أصدر أخيراً أمراً بتمديد تعليق أعمال البرلمان لأجل غير مسمى، مع الإبقاء على رفع الحصانة عن أعضائه. يأتي هذا بعد شهر من إقالة سعيد حكومة هشام المشيشي وتعليقه أعمال البرلمان، وذلك في خطوة انتقدها معارضون بوصفها انقلاباً. وجاء في بيان أصدره مكتب الرئاسة، أنّ سعيد أصدر “مرسوما جمهورياً يمدد الإجراءات الاستثنائية … بشأن تعليق مجلس النواب ورفع الحصانة البرلمانية عن نوابه حتى إشعار آخر”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى