ــالمشهد اليمنيالنشرة

سيناريو احتلال سعودي يحاكي النسخة البريطانية.. و”المهرة” تحدّ مخالب المواجهة

مرآة الجزيرة ـ خاص

منذ وقت مبكر من عدوانه على اليمن، أدركت قبائل محافظة المهرة الأبية بان العناوين التي رفعها النظام السعودي للدخول إلى المحافظات الجنوبية لم تكن أكثر من مبررات احتلال.. فما إن دخلت محافظة المهرة دائرة المطامع ومثلّت شريحة الكعكة التي أراد النظام السعودي أن تكون حصته، حتى كشرت هذه المحافظة الساحلية الهادئة عن أنيابها بقبائلها وشرائحها الاجتماعية مع أول ظهور للغزاة على أرضها.

تبعد محافظة المهرة عن مركز الصراع والمناطق المواجهات المسلحة مئات الكيلومترات.. هي البوابة الشرقية لليمن والمطلة على بحر العرب بشريط ساحلي يبلغ طوله 560 كم، تحاذي سلطنة عمان من الشرق والسعودية من الشمال.

وفضلا عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي، الذي جعلها  مطمع الدول الاستعمارية، تشير التقارير أنها تحتضن في باطنها ثروات هائلة نفطية وغازية ومعدنية، ولذلك ظلت دائما تُسيل لعاب الطامع السعودي.

في نوفمبر / تشرين الثاني 2017م، بدأت المحافظة تشهد تتابعا مثيرا لقدوم القوات السعودية إلى مدينة الغيضة مركز المحافظة، مع غياب تام لسلطة أطلقت على نفسها اسم “الشرعية”، ومنذ ذلك الحين أيقنت المحافظة، قبائلها وثوارها بأنها أمام وضع سيحدد مصيرها ولا ركون على أدعياء سلطة، لتشهد حراكاً شعبياً واسعاً رافضاً لهذا التواجد العسكري، لا يزال قتيله ملتهبا حتى اللحظة.

أكثر من (٥٠) قاعدة عسكرية سعودية وأمريكية وبريطانية تنتشر اليوم هناك في مديريات المحافظة إضافة إلى مطار الغيضة حيث تتواجد قاعدة عسكرية تضم خبراء وعسكريين وآليات عسكرية بريطانية وأمريكية.

أواخر يوليو الماضي، شهدت السواحل العمانية حادثة الناقلة الإسرائيلية “ميرسر ستريت” التي تسببت بتدمير قُمرة القيادة، ومقتل رُبان السفينة وحارس أمن بريطاني الجنسية، لحظتها وجهت قوى الشر الأمريكية البريطانية الإسرائيلية الاتهامات إلى إيران، رافعة نبرة الوعيد بالانتقام، وبدا الأمر قاب قوسين أو أدنى من تصرف أحمق قد تلجأ إليه هذه القوى الغازية للمنطقة، إلا أنه ما لبث كاتب السيناريو أن عدل من مسار المخطط، في اتجاه محافظة المهرة القريبة تحت ذريعة أنها كانت منطلق الهجوم على السفينة، وهي مسألة بدأ الغزاة التمهيد لها في يونيو من العام ٢٠١٩، بالحديث عن كونها وكر للإرهابيين.. في ذاك الوقت دخلت قوات سعودية مسنودة بقوات أمريكية إلى أحد  أحياء مدينة الغيضة عاصمة المهرة بذريعة  القبض على أمير داعش، حينها علقت لجنة الاعتصام السلمي والأحزاب والشخصيات السياسية والاجتماعية والناشطين الإعلاميين بالمحافظة أن ذلك إنما يأتي لإيجاد مبررات التدخل الأجنبي في جغرافيا المهرة.

تكرر الأمر في نوفمبر من العام ٢٠٢٠ في مسعى حثيث لإلصاق تهمة الإرهاب بالمحافظة بقصد استقدام قوات دولية بذريعة مكافحته.

ما لبثت المعطيات أن تسارعت مع وصول أعداد من القوات البريطانية إلى مطار “الغيضة” على خلفية حادث ضرب السفينة “ميرسر ستريت”، وبذريعة تتبع الجهات التي قامت بضرب السفينة، لتكشف عن مخطط يراد له أن يجد مساحة على أرض التنفيذ، منطلقة من حادثة “ستريت” السفينة الإسرائيلية، وليشهد الوضع على اثر ذلك تصاعدا بيانيا للتواجد العسكري الأجنبي على أرض المحافظة..

المشهد بصيغته وإبطاله اعاد إلى الأذهان قصة الكابتن البريطاني ستافورد بيتزورث هنس وسفينته (داريا دولت) البريطانية التابعة لشركة الهند الشرقية والتي كانت المدخل لاحتلال بريطانيا لمدينة عدن في نسخته الأولى في 19 يناير من عام 1839م، ومن بعدها باقي المدن الجنوبية.

يؤكد اللواء محمد أحمد قحطان عضو مجلس الشورى المعروف بمعارضته الشديدة للتواجد العسكري السعودي أو من مهد نظام السعودية لقدومها من القوات الأمريكية والبريطانية أن لا علاقة للمهرة بضرب السفينة، وان مئات الأميال تفصل المحافظة والموقع الذي ضربت فيه السفينة، وقال “هذه كلها مبررات للتدخل، ونحن ندرك ذلك جيدا، فتارة يقولون مكافحة الإرهاب وأخرى مكافحة المخدرات وتهريب السلاح، وتلك الأمور لا علاقة لنا بها، والمسافة بيننا وبين جبهات القتال تقارب 1000 كيلو”.

وتُظهر عدد من الشواهد حقيقة الرغبة التي كانت ولا تزال تسيطر على النظام السعودي في أن يجد له موطئ قدم في هذه المحافظة الغنية والهامة فتقاسم أو أراد تقاسم كعكة المهرة مع  أمريكا وإسرائيل.. ليشغل بذلك هذا النظام دور الأداة والوسيلة لحضور الغزاة الأمريكان والبريطانيين في مشهد المحافظات اليمنية ذات البعد الاستراتيجي وكانت منها المهرة.. فبعد زيارة لوفد بريطاني عام ٢٠٢٠، قام السفير الأمريكي كريستوفر هنزل  بزيارة  مباشرة إلى محافظة المهرة قادما من الرياض في الثلاثين من نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، تفقد خلال ذلك القوات الأمريكية المتمركزة في مطار الغيضة إلى جانب قوات سعودية وبريطانية، وعقد سلسلة لقاءات مع قيادة السلطات المحلية والأمنية وأجهزة الاستخبارات بالمحافظة، كما قام بدوره في تثبيت شماعة الإرهاب في المحافظة من خلال تركيز تصريحاته على الجماعات والعناصر الإرهابية لتبرير تدخلهم العسكري.

يذهب المراقبون إلى إن هذه الزيارات كانت دائما تحدث برعاية وتنفيذ من النظام السعودي دون أي علم لحكومة هادي، الأمر الذي كان يمثل انتهاكا واستباحة لسيادة الدولة، ويرى المراقبون إلى أن زيارة السفير الأمريكي الأخيرة للمحافظة ربما كان متعمدا أن تكون في اليوم الذي يمثل اليمنيين عيدا للاستقلال وهو يوم الثلاثين من نوفمبر، يوم طرد المستعمر البريطاني من أراض المحافظات الجنوبية، ورحيل آخر جندي من عدن كنوع من الاستفزاز وتكريس أمر واقع تتحرك فيه القوى الغازية دون أي اعتبار لأبناء الأرض.

في غير مرة، أكد أبناء المهرة إن محافظتهم  لم تكن تعرف تواجدا للتنظيمات، كما حذروا  منذ وقت مبكر بأن هناك خطط تقوم بها القوات السعودية  لنقل التنظيمات الإرهابية إلى محافظة المهرة بقصد تصوير أنها معقل للقاعدة لخلق مبررات لدخولها ولعب دور المنقذ، وهو ما استمروا يرفعونه أثناء تظاهراتهم، مؤكدين على مواصلة المظاهرات والاعتصامات حتى تحقيق مطالبهم، ودعوا مجلس الأمن والأمم المتحدة بممارسة الضغط على دول الاحتلال لسحب قواتها من المحافظة، وأكدوا على عدم تفريطهم بأي شبر من أراضي المهرة.

منتصف هذا الشهر عقدت لجنة الاعتصام السلمي في المحافظة اجتماعا برئاسة الشيخ علي سالم الحريزي، جرى فيه إقرار خطوات تصعيدية ضد تواجد القوات السعودية ومن معها من القوات الأجنبية الأخرى في بالمحافظة في اتجاه الدفع لسرعة رحيلها، داعيا “جميع أبناء المهرة التفاعل مع الفعاليات التصعدية ضد تواجد قوات الاحتلال والمطالبة بسرعة رحيلها”.

فيما كانت اللجنة قد استنكرت بأشد العبارات كل ما وصفت بـ”المحاولات البائسة والمشينة من قبل الاحتلال السعودي الإماراتي البريطاني الأمريكي بإلصاق التهم والأكاذيب الباطلة بأبناء محافظة المهرة  وبأعمال ممنهجة متعددة الأساليب الغرض منها السيطرة والاستحواذ على هذه المحافظة الآمنة وتشويه تاريخها المجيد.” حسب اللجنة.

وفق ذلك يؤكد المحللون إن البيئة المهرية لا تبدو مشجعة للتواجد الأجنبي الأمر الذي يؤكد بان عمر الاحتلال لن يكون طويلا فضلا عن ما يمكن أن يخسره النظام السعودي ومن معه في مغامرته الطائشة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى