ــالنشرةتحليلات

السعودية.. بين “كاتسا”والهروب من المآته الأمريكي

مرآة الجزيرة ـ خاص/ وديع العبسي

مجددا تحاول السعودية اعادة صياغة العلاقة مع حلفائها من خلال إيجاد البدائل، ولكن في الوقت الضائع، فالفرار الذي اراداته مؤخرا من المآته الأمريكية التي تربطها بها شراكة أمنية وثيقة، في اتجاه روسيا لا يبدو بالأمر الهيّن والسهل اذ لوحت الإدارة الأمريكية بمعاقبة النظام السعودي على هذا التصرف وفق البند 231 من قانون “مكافحة خصوم أمريكا عن طريق العقوبات” المعروف اختصارا بـ”كاتسا”.)

الموقف الأمريكي العنيف توّلد إثر اعلان نائب وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان من موسكو الثلاثاء من الاسبوع الماضي أن بلاده وروسيا وقعتا اتفاقية تهدف إلى تطوير مجالات التعاون العسكري المشترك بين البلدين، وبدا الأمر بالنسبة للإدارة الامريكية غير مقبول، فالسعودية بالنسبة لها خزان وقود أو “بقرة حلوب” حسب وصف الإدارة السابقة.

اعتادت السعودية في علاقاتها وسياستها الخارجية التوجه شرقا، كلما اعتملت في حساباتها المخاوف إما من القادم أو من أن تصدق تكهنات بانحدار تسير فيه امريكا.

في العام ٢٠١٥ كان الشاهد الاقوى على هذا الواقع، حين زار محمد بن سلمان موسكو، عقب الفعل الامريكي الذي أربك حسابات النظام السعودي وان اظهر حينها عكس ما يبطن، تمثل الفعل بتوقيع الاتفاق النووي الإيراني، وهو الحدث الذي تسبب في جمود علاقتها بامريكا، ليذهب على ضوئه عدد من المراقبين الى أن الرياض ستكون مجبرة مستقبلا على تنويع حلفائها، سرعان ما ترجمته الرياض وقتها بالتقارب مع موسكو، ورأت صحيفة “وطن” السعودية “أنه جاء في الوقت المناسب”.

هذه المرة لا شأن لإيران في تغيّر المزاج السعودي تجاه امريكا، وانما هي أفغانستان التي كشف ما صار اليه واقعها عن زيف كل ما كان يُشاع من المطبخ الأمريكي في تأهيل هذا البلد الفقير وانتشاله من واقع كان فيه دائما محطة وجغرافية متقبلة وحاضنة للجماعات المتطرفة.

بعد عشرون عاما من التواجد الأمريكي في هذا البلد وتحديدا ما بعد استهداف برجي التجارة العالمي في نيويورك وملاحقة القاعدة، وصرف ما لا يقل عن ألف مليار دولار حسب تقارير امريكية، وبعد ان تبين للأمريكان حتمية مغادرة هذا البلد، اظهرت الأحداث التي تلاحقت بعدها بشكل دراماتيكي ودخول حركة طالبان وسيطرتها على العاصمة، “صفرية” ما ادعت واشنطن انها كانت تعمل على انجازه.. اذ انهار الجيش والبلد وسقطت العاصمة كابل وظهرت طالبان بكامل عنفوانها، فمالذي كانت امريكا تفعل هناك طوال عقدين من الزمن؟!

لم تنتظر الرياض ان يأتيها تحليل يفلسف الأمر، أو ردّ من البيت الابيض يهدئ من روعها، أو حتى تعليق مقنع لما يجري، ويمكن أن يكون كافيا لإيقاف سيل التأويلات والتصورات، خصوصا وأنها في بعضها كانت قادرة على إرباك كل التحليلات لتتجه الى موسكو.

كان صعبا على النظام السعودي التسليم بحقيقة أن أمريكا عجزت عن تحقيق أي منجز استراتيجي في افغانستان طوال السنوات العشرين الماضية، مع ذلك فإنه حاول الهروب من مواجهة احتمالية أخرى هي أن أمريكا تعيد تخليق الجماعات المتطرفة من جديدة، وأنها عملت على تغذية “طالبان” وتأهيلها للعب دور مطلوب منها خلال هذه المرحلة، لذلك كان الطابع العسكري عنوان التعاون الجديد بين الرياض وموسكو ليؤكد الأمر أن الثقة السعودية بالأمريكان ليست في وضعها الصحي.

لا يمكن بأي حال القول أن العلاقة في أصلها والتي تجمع بين امريكا والسعودية بأنها علاقة ندية قائمة على الشراكة والتعاون والتكامل وانما هي علاقة سيطرة، الفاعل فيها امريكا، تظهر فيها السعودية مسلوبة الإرادة بل والقدرة على اتخاذ القرار المستقل عن التأثير الامريكي، خصوصا وأن الاخير يعتبر الحامي للمملكة من أية تهديدات محتملة أو على الاقل، قيام امريكا بهذا الدور يمنح السلطة الحاكمة في السعودية الشعور بالأمان، وهو ما يدركه الامريكان بقوة ولذلك ما انفكوا يهددون في كل مرة بسحب قواتهم من الأراضي السعودية.

في شهر مايو من العام الماضي واثناء أزمة اسعار النفط، أظهرت مكالمة بين ترامب وبن سلمان مستوى هذا التأثير، وحجم التواجد العسكري الأمريكي في السعودية كقوة حامية.. في المكالمة، ابلغ ترامب ولي العهد السعودي أنه إذا لم تتصرف السعودية فورًا لحل حرب أسعار النفط مع روسيا، والعمل على تخفيض الإنتاج بشكل جذري، ما من شأنه إنقاذ ما تبقى من صناعة النفط الصخري الأمريكية المُنهارة، فإن واشنطن سوف تسحب قواتها العسكرية من المملكة. هذه القوات تم تعزيز هذه القوات في عام 2019.

حينها سارع السعوديون لعقد اجتماعٍ تحالف أوبك والمنتجين من خارج أوبك (أوبك بلس). والتوصل إلى اتفاق مع موسكو.

دائما كانت السعودية تؤكد عدم قدرتها الفكاك أو الخروج من العباءة الأمريكية خصوصا مع عجزها الاستغناء عن القوات الأمريكية كجيش حامي لها، رغم حجم مشترياتها من الأسلحة اذ تصدرت السعودية قائمة الدول في استيراد الأسلحة على مستوى العالم ما بين 2016 و2020.

ووفق تقرير نشره منتصف مارس الماضي، معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام؛ فقد جاءت السعودية في المرتبة الأولى عالمياً في استيراد السلاح، ومصر الـ(3)، والجزائر الـ(6)، وقطر الـ(8)، والإمارات الـ(9).

وزادت السعودية وارداتها من الأسلحة بنسبة 61% بين عامي 2016 و2020، مقارنة بالسنوات الخمس التي سبقتها، وشكل حجم مشتريات المملكة من السلاح 11% من حجم مبيعات الأسلحة العالمية.

فيما تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قائمة مزودي السعودية بالسلاح بنسبة 79%، تلتها بريطانيا (9.3%)، ثم فرنسا (4%).

إذن فإن ما يمكن الخلاص إليه من هذه الوقائع أن محاولة السعودية الهروب الى الى المعسكر الشرقي لا يبدو ممكنا لكنه يعطي الدلالات الأكيدة بأن السعودية تدرك أن أمريكا لم تعد ذاك الحليف الذي يعتمد عليه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى