ــالنشرةتحليلات

قمة بغداد… محاولة لتبني دور الوسيط إلى جانب البيت الأبيض!

مرآة الجزيرة خاص/ يارا بليبل

استضافت العاصمة العراقية بغداد، في 28 آب،  مؤتمرا للتعاون والشراكة حضره عددا من زعماء الدول وممثلين دبلوماسيين آخرين، الأمر الذي عدّه وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين بـ”الحدث السياسي الدولي الضخم، الذي لم يشهده العراق منذ نحو 40 عاما”.

وسجل مشاركة 9 دول بمستويات متباينة، حيث حضر القمة زعماء كل من قطر والأردن ومصر وفرنسا، أوفدت الكويت رئيس مجلس الوزراء وكذلك فعلت الإمارات، أما السعودية وتركيا وإيران فأوفدت وزراء خارجيتها.

جرى ذلك في وقت يُعدّ حساسا للداخل العراقي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 10 تشرين الأول المقبل من جهة، والوضع الدولي العام بُعيد سيطرة حركة طالبان على افغانستان وكل ما خلفه الحدث من فوضى وتشتت دوليين من جهة أخرى.

تحاول بغداد ان تستبق تاريخ انسحاب القوات الأميركية نهاية العام الحالي، وأن تتموضع سياسيا على مسافة واحدة من المحور الأميركي والإيراني، هذا في الشكل.

أما في المضمون، لم تكن يوماً العراق دولة هامشية في الحسابات الدولية وميزان المحاور، وبالرغم من مظاهر الموازنة في سياساتها، إلا أنها بلا شكّ في عزوفها عن دعوة سوريا إلى القمة توجه رسالة إذعان إلى جانب الإدارة الأميركية والسعودية في استمرار لنهج استبعاد سوريا المعتمد دولياً، حتى وان كانت دمشق أقرب لبغداد من باريس على سبيل المثال.

وعلى صعيد آخر، يبدو جلياً وجود رغبة لدى الرياض في التوصل لتأمين خطوط لقاء مع الطرف الايراني، وهذا ما ترجم في حضورهما للقمة. وما كشفه وزير الخارجية الإيراني،حسين أمير عبد اللهيان، تبلّغه من نظيره السعودي، فيصل بن فرحان، على هامش اللقاء أن “الرياض تنتظر تأليف الحكومة الايرانية لاستئناف علاقاتها مع طهران”.

وفي مطلق الأحوال، لن تنأى السعودية عن مهمتها المعتادة في دعم طرف داخلي يحفظ لها بالحد الأدنى مصالحها ويحدّ من “التمدد” الإيراني في البلاد، وبشكل خاص بعد كل ما تظهره الإدارة الأميركية من رغبة في حصر تواجدها العكسري باطار ما هو ضروري واستراتيجي فقط.

تفهم الرياض جيدا التوجه الأميركي الجديد في الشرق الأوسط، وبأنه بات لزاماً عليها بحث خياراتها وتنفيذها بعيدا عن مؤازرة الحليف الأميركي. فليست اليمن تجربة عابرة لمحمد بن سلمان، ولا سيما مع قرار وقف الدعم العسكري الأميركي للعمليات الهجومية السعودية المعلن عنه في 4 شباط من العام الحالي بعيد تولي جون بايدن لسدة الرئاسة الأميركية.

فلقد سجّل الإنفاق العسكري السعودي، بصورة مستمرة، نسبة مرتفعة من إجمالي الناتج المحلي (13 في المئة عند بداية حرب اليمن في العام 2015)، حتى إنه يتخطى بأشواط نسبة الإنفاق العسكري التي تسجّلها قوى دولية مثل الولايات المتحدة (3.5 في المئة في العام 2015).

وفي مجال اقليمي مشبع بالنزاعات، تحاول بغداد شقّ ثغرة في الجدار القائم بين البلدين لما في الأمر من مصلحة مباشرة لها وسعيا منها لانعكاس هذا التواصل على بعض الملفات القابلة لتدوير الزوايا بين الطرفين، او تقديم التنازلات.

وإذ يبدو واضحاً أن العراق عند مفترق طرق، فقد زادت جائحة كوفيد-19 من حدّة التدهور الاقتصادي في البلاد خاصة مع انخفاض أسعار النفط عالميا وضعف الاستثمارات، وارتفاع نسب البطالة إلى 25.2% عام 2020 بحسب البنك الدولي، وازدياد منسوب الفساد، والتأخر في إعادة إعمار المدن التي كانت تحت سيطرة داعش والتي قدرت مساحتها بـ40% من مجمل الأراضي العراقية.

كما أن الحديث عن اتمام الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن وما يمكن أن يرشح عنه من انفراجات ليس بقريب، إذ يتضح من النقاشات الدائرة أن ثمة خلافاً حول التدرج في احياء الاتفاق النووي وما يمكن ان يتأتى عنه من رفع للعقوبات و”حلحلة” لبعض الملفات.

وبذلك ترى الولايات المتحدة في قمة بغداد للتعاون والشراكة خطوة اولى باتجاه مسار حواري بين دول الإقليم، من المرضي عنهم، وبالتالي تغييب أي مبادرة تنموية لروسيا او الصين عنها.

وفي هذا الإطار، لن تكون نتائج الانتخابات التشريعية بعيدة عن اهتمامات كل من طهران والرياض، خاصة مع تراجع زعيم التيار الصدري وصاحب أكبر كتلة برلمانية 54 نائبا من أصل 329، في 27 آب الماضي، عن قراره بمقاطعة الاستحقاق المرتقب والدعوة الى المشاركة الفعالة من أجل ”إنقاذ العراق من الفساد”. فاتسمت علاقة مقتدى الصدر مع كل من ايران والسعودية بقُصر الأجل والتفاهمات الآنية، الأمر الذي يجعل من أي محاولة للتحالف معه غير مأمونة النتائج.

من جهتها إيران ليست بعيدة عن أجواء المؤتمر وحسابات مضيفيه، بل هي تعتمد سياسة المناورة ما دام الأمر “محمولاً”، كما انها لن ترفض أي فرصة قد يبنى عليها أفق للحوار مع السعودية، وبشكل خاص مع تنصيب ابراهيم رئيسي رئيساً للجمهورية الإسلامية مطلع آب الماضي، حيث تعهّد الأخير بأن تلجأ حكومته إلى الدبلوماسية و”التعاون الذكي” مع العالم لحماية المصالح الوطنية، معرّفاً السياسة الخارجية الناجحة بأنها “السياسة المتوازنة”.

وكان السفير الإيراني في العراق، أيرج مسجدي قال في تصريح لقناة “العالم” في15 آب الماضي، إن “المفاوضات بين إيران والسعودية في العراق تناولت فتح سفارتي البلدين”، متمنيا الوصول إلى نتائج إيجابية في الجولات المقبلة من المفاوضات. 

بالاستناد إلى ما ورد، وبانتظار الانتخابات التشريعية المبكرة في العاصمة بغداد وجلاء المشهد السياسي بتركيبته الحزبية سيكون كل ما صدر عن القمة “مع وقف التنفيذ”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى