النشرةشؤون اقليمية

تونس.. دفاع عن الثورة أم تصفية حسابات؟

مرآة الجزيرة ـ يارا بليبل

كما كان متوقعاً، مدّد الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 23 آب، العمل بالاجراءات الاستثنائية بعد مُضيّ 30 يوماً على تبنيها بالاستناد إلى الفصل 80 من الدستور التونسي. ويشير التأخير الحاصل في تسمية رئيس الحكومة وفريقه إلى الصعوبات التي تعترض سعيّد في اختيار شخصية تقبل تولي المنصب في سياق سياسي واقتصادي واجتماعي صعب، ويضاعف منه غياب خريطة طريق واضحة للخروج من المأزق السياسي الراهن من تداعيات الفراغ الإداري والحكومي.

يأتي ذلك في ظل حالة من التخبط تشهدها العاصمة تونس، حيث أعلنت وسائل إعلام تونسية أن السلطات القضائية الجزائرية أوقفت في 28 آب المرشح السابق للانتخابات الرئاسية ورئيس حزب “قلب تونس” نبيل القروي وشقيقه في مدينة تبسة الحدودية. يذكر أن القروي(57 عاما)  ملاحق في قضايا تبييض أموال وفساد منذ العام 2017، وكان قد تم توقيفه سابقا لفترة إمتدت لأكثر من شهر قبل خوض الانتخابات الرئاسية في العام 2019. وبعد الانتخابات أوقف مجدداً في كانون الثاني 2020 في القضية نفسها ليتم اطلاق سراحه منتصف حزيران الفائت.

البعد الداخلي للأزمة

تتباين المواقف في الداخل التونسي من اجراءات الرئيس سعيّد، ففي الوقت الذي اعتبرت حركة النهضة القرار الرئاسي يستهدفها بشكل مباشر ومن ورائها “ائتلاف الكرامة” و”حزب قلب تونس” لما يمثلونه معاً من أغلبية في البرلمان. من جهته، أكدّ رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي المعلّق، بأنه “لم تقع استشارته البتة من قبل قيس سعيّد رئيس الجمهورية حول تفعيل الفصل 80 من الدستور”، داعياً الرئيس سعيّد إلى المشاركة في الحوار والتراجع عمّا وصفه بـ”حافة الهاوية”. متهماً في مقال نشرته صحيفة إندبندت (Independent)، بأن الإجراءات التي أعلنها الرئيس قيس سعيد مؤخرا في تونس “قد وضعت رحلتنا الوليدة والهشة نحو الديمقراطية تحت التهديد”.

ولم تَسلم الحركة من مغبة الانشقاق الداخلي، إذ صرّح القيادي محمد بن سالم، إنه “لا يمكن للقيادة الحالية للحركة التوصل إلى حلول مع الرئيس قيس سعيّد في ظل وجود القيادة الحالية للحركة” ودعا بن سالم، الرئيس التونسي إلى البدء بحركة النهضة في حال ثبوت وجود ملفات فساد لدى قيادييها، وتابع “لدى بعض قياديي الحركة صداقات مع بعض الفاسدين وفيهم من استقال”، ملوحاً بأنه في حال عدم تراجع قيادة الحركة الحالية خطوة إلى الوراء “قد يضطرون إلى إطلاق حزب جديد”.

جاء ذلك في الوقت الذي أعرب فيه حزب الشعب الحائز على 15 مقعداً نيابياً من أصل 217، عن دعمه الكامل للرئيس على اعتبار أنه “صحح المسار الثوري”، كما أعرب الإتحاد العام التونسي للشغل على لسان أمينه العام المساعد عن “ثقته الكاملة في قررات رئيس البلاد الاستثنائية” داعيا الرئيس بالانتقال السريع نحو “خارطة طريق تشاركية واضحة وتغيير النظام السياسي”.

وبعد مرور 10 سنوات على المسار الديمقراطي الذي عرفته تونس، وإدارة حركة النهضة لأغلب المحطات السياسية في البلاد، لم تكن حصيلة “الحلم” إلاّ القليل مقابل ضياع الكثير من المبادئ التي نادى بها الشعب التونسي. بل على العكس، فقد تزايد مؤشر مدركات الفساد(CPI)  في البلاد بحيث ارتفع 3 نقاط منذ العام 2012 ليصل عام 2020 إلى 44 /100، كما وارتفع منسوب البطالة إلى 17.4%، حيث بلغت نسبة العاطلين عن العمل الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة 85%.

لقد ساهمت جائحة كوفيد-19 في تأزيم الوضع الاقتصادي في البلاد، ترافق ذلك مع فشل السلطات في التعامل مع ارتفاع أعداد الإصابات والعجز الحكومي في إدارة شؤون البلاد الناتج عن المناكفات السياسية بين الرئيس من جهة، وكل من المجلس النيابي وحكومة هشام المشيشي من جهة أخرى، ما دفع بالتونسيين مجدداً إلى التظاهر في الذكرى الـ64 لإعلان الجمهورية والمطالبة باستقالة الحكومة.

البعد الخارجي للأزمة

أتى تصريح راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، واتهامه للإعلام الإماراتي بوقوفه وراء “محاولة الإنقلاب” واستهداف مباني حزب النهضة، ليعزز الشكوك الدائرة حول مسؤولية تتحملها “ممالك الخير”، السعودية والإمارات، لما آلت إليه التطورات في تونس.

بطبيعة الحال، ليس من الجديد بشيء سعيّ الرياض وأبو ظبي للإطاحة بأي حركة تمثل تنظيم الاخوان المسلمين أينما وجدت، فكيف اذا كانت حركة النهضة استطاعت منذ الانتخابات الأولى بُعيد الثورة على تصدّر المشهد السياسي في تونس، ما يشكل خطراً على الإنتظام السياسي في الخليج بشكل عام ووضعها أمام منافسة مع نموذج سياسي يسعى بالتعاون مع تركيا على تزعم “العالم السني”. كما ينظر بعض المحللين إلى زيارة سعيد للقاهرة في نيسان الماضي، في خضم تصاعد صراعه مع الغنوشي، على أنها “بادرة تهدف إلى تعزيز العلاقات المناهضة للإخوان المسلمين”.

ونقلت التايمز عن الغنوشي قوله، “إن أبو ظبي مصممة على إنهاء الربيع العربي، الذي انطلق من تونس عام 2011 وأطاح بحكم الدكتاتور الراحل زين العابدين بن علي”، مضيفاً بأن الإمارات ترى في “الديمقراطية الإسلامية تهديدا لسلطتها، وأخذت على عاتقها أن تموت فكرة الربيع العربي التي بدأت في تونس مثلما انطلقت منها”.  

وقد غمز زعيم حركة النهضة من قناة ما يهوى الثنائي الخليجي تحققه بقوله ” إن سيطرة عسكرية على السلطة، على غرار ماحدث في مصر، لن تكون ممكنة في تونس، لأن تونس ليست مصر، وهناك علاقات مختلفة بين الجيش والحكومة وقد حمى الجيش الحرية وصناديق الاقتراع منذ الثورة”، كما تناول مخاوف الإمارات من التطورات في ليبيا فقال إنها تخشى من تسوية سلمية هناك مضيفاً “هم خائفون من التحولات الديمقراطية وإمكانية انتشارها في بقية المنطقة العربية”.

وفي انتظار الدخان الأبيض، يرزح التونسيون بين أعباء السجالات الداخلية وحسابات الإقليم ولا سبيل إلاّ في ترقب خطوات الرئيس المقبلة لتحديد مسار الأحداث.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى