ــالنشرةحوارات

الصحفي والمفكر المصري فهمي هويدي لـ”مرآة الجزيرة”: أميركا خسرت ويُحسب لطالبان هذا الإنجاز… و”السعودية” تحاول التطهر من الوهابية التي صدّرتها

؛؛ في غضون عشرة أيام فقط، استطاعت طالبان إحكام السيطرة على الولايات الأفغانية حتى العاصمة كابول، جاء ذلك مع فرار الرئيس الأفغاني أشرف غني من البلاد. عشرون عاماً مرّت على حكم طالبان الأول، واليوم في 2021 تكرر المشهد مُضافاً إليه هزيمة عسكرية أميركية شبيهة بهزيمة فييتنام لكن في بلاد الجبال القاسية والإثنيات واللغات المتعددة. “مرآة الجزيرة” تحاور الصحفي والمفكر العربي فهمي هويدي، صاحب التجربة الميدانية من باكستان مروراً بقبائل “الباتان” وصولاً إلى أفغانستان، حيث استطاع أن ينقل للقارئ العربي تجربته من خلال كتابه الأول “حدث في أفغانستان” الصادر عن “دار الكلمة” في بيروت عام 1979، والكتاب الثاني الصادر عام 2001 “طالبان جند الله في المعركة الغلط” الصادر عن دار الشروق في القاهرة. تستحضر “مرآة الجزيرة” عبر حوارها الخاص، تصورات هويدي لمستقبل أفغانستان ما بعد الانسحاب الأميركي، وسيناريوهات الحكم وإدارة البلاد بعد سيطرة طالبان وسعيها لبسط سيطرتها والظفر بالاعتراف الدولي، كما مواقف وأدوار الدول الإقليمية المجاورة ومصالحها في البلاد…؛؛

مرآة الجزيرة – حوار يارا بليبل

يستهل هويدي حديثه عن الوضع في افغانستان إنطلاقاً من تجربته الميدانية، خلال العامين 1998 و2001، مؤكداً أن ” طالبان بوصفها حالة أفغانية لا تعدّ اختراعاً حديثاً بل هي إمتداد طبيعي وواقعي لعمق المجتمع الأفغاني”، رابطاّ ما أقدمت عليه من خطوات إجرائية إبّان تجربتها الأولى في الحكم (1996-2001) بوصفها لصيقة بالممارسة التي كانت سائدة حينها، مستشهدا على سبيل المثال باجراء منع خروج النساء من المنازل باعتباره “ممارسة موجودة منذ العام 1959 ما يعني قبل ولادة طالبان، فلم تستدعيه طالبان لكنه كان جزءا من الثقافة.”

طالبان ـ الوهابية

مضيفاً بأن “هناك فارق بين دور يحاط بتحفظ ودور يغلق بابه، ومن الواضح ان طالبان لم تغلق الباب على قضية مشاركة المرأة في الحياة العامة، وبأن التطور وارد لأن المجتمع الأفغاني مثله مثل أي مجتمع لديه تقاليده واعرافه القابلة للتغيير مع الزمن، لكن هناك من يصرّ على وسم طالبان بإصابتهم بعاهات غير قابلة للتطور وهذا الأمر غير صحيح، فتطور المجتمع الأفغاني أتى بالتوازي مع تطور شهدته مقاربات طالبان بحيث من غير المنطقي فصل طالبان عن طبيعة التطور الحاصل ومؤشراته الظاهرة في المجتمع الأفغاني”، بحسب هويدي.

يقدم المفكر المصري من خلال ما ورد إشارة مهمة إلى ان “الرابط  الحقيقي لا يكمن بما ينسب إلى توجهات طالبان، بل إلى الفكر السائد في عمق المجتمع الأفغاني في ذلك الحين وأصله في الفكر الوهابي”، على حد قوله. وبالحديث عن الفكر الوهابي، يرفض فهمي ما برز مؤخراً من دعوة لفصل المدرسة الوهابية عن المدرسة الديوبندية، التي تُنسب إليها طالبان، معتبراً أن “الأولى بالسعودية ان تتطهر من أشياء كثيرة بدلاً من الخوض في غمار معاينة هكذا ملف”، مشيرا إلى حقيقة تبيان “مسار جديد تسلكه الرياض للتخلص من الوهابية”، مستشهداً بأن الفترة الأخيرة “قامت الرياض بـ”غسل يدها” من جماعة 11 أيلول التي ضمت 15 فرداً من أصل19 هم من عمق الوهابية، وأن الأمر ليس اجتهادا بل حقيقة يجب الاعتراف بها وبالتالي كل هذه الملفات تطورت بشكل موازي”.

دور دول الإقليم في افغانستان

في إطار الحديث عن الأدوار المتوقعة لدول الإقليم ، يقدم فهمي تصوراً يؤكد من خلاله ما سيؤول اليه تطور العلاقات بين “السعودية” من جهة وطالبان من جهة أخرى، مذكراً بأن “أول رسالة تلقتها أفغانستان من العالم العربي بعد الانقلاب الشيوعي عام 1979 كانت من “السعودية”.. وفي سياق متصل، أكد الصحفي المصري بأن” الدور القطري ستكون بصماته واضحة في مسار الاحداث الجديدة”، منوّهاً أن ” المشكلة الحقيقية أمام طالبان اليوم تتمثل بوادي بانشهير الذي ظلّ حتى الساعة عصيّاً عن قوات طالبان بالرغم من إكتساح الأخيرة لكامل الجغرافيا الأفغانية”، مضيفاً بأن “للهند دوراً محورياً في دعم معارضة بانشهير وبالتالي هي تقف طرفاً في الصراع بين الطرفين”، لافتاً إلى الجالية الهندية الكبيرة في أفغانستان وما يمكن أن تلعبه من دور.

يصرّ هويدي في حديثة لـ”مرآة الجزيرة”، على ” أهمية الدور الباكستاني في الساحة الأفغانية، كما وعلاقة إسلام أباد بطالبان نظراً للعلاقة التاريخية والاستراتيجية بالنسبة للطرفين، والتي يؤكدها وجود السفير عبدالسلام ضعيف ممثلاً لطالبان في العاصمة الباكستانية طوال فترة حربها”. إذ يعتبر تلك الفترة الذهبية بأنها “أحد مصادر الإنعاش الاقتصادي لباكستان لما تمثله من ممر إلزامي لكافة البضائع إلى حوالي 22 مليون نسمة داخل أفغانستان”، مضيفا بأن “إسلام آباد كانت ولا تزال من أكثر المستفيدين من الحرب على أفغانستان وأنها غير بعيدة عن التطورات الأخيرة”، بتأكيده لـ”وجود دور لباكستان وإن كان في الظل”، بحسب تعبيره.

علاقة القاعدة وطالبان ما بعد الحكم

من الضروري، بحسب فهمي، لفت النظر في إطار الحديث عن أفق العلاقة بين القاعدة وطالبان، بأن “طالبان جزء أصيل من المجتمع الأفغاني إلا أن القاعدة كلّها من خارج أفغانستان. لقد احتمت القاعدة لفترة من الزمن بقوات طالبان، لكن من الضروري الإضاة على نظرة القاعدة للطرف الافغاني باعتبارهم مستبدين”، وأمام المسار الفاصل الذي تقوده طالبان “لا بدّ لها من قطع هذا الإرتباط مع مجموعة الوافدين الغرباء على البلاد”

يوضح فهمي من خلال حديثه هدف الذين يصرون على تشويه طالبان، “فهم يقومون بالربط بينها وبين القاعدة وبالتالي تتمثل رغبتهم في ربط طالبان بكل الاحداث التي تتحمل مسؤوليتها القاعدة في كل من سوريا والعراق وليبيا وغيرها، الأمر الذي يعدّ مغالطة كبيرة”، من وجهة نظره.

وفي الحديث عن احتمالات المواجهة بين الطرفين، يرى فهمي بأن “الاشتباك القائم على الصعيد الفكري سيستمر بين الطرفين، لكن عمليا فلا يرصد أي بوادر حرب محتملة بينهما”، ففي حقيقة الأمر إن “طالبان غير مهتمة بالقاعدة خلال هذه الفترة إلا على الصعيد الإعلامي، فهم مشغولون عمليا بفصيل المعارضة الداخلية الذي تشكل في وادي بانشهير، الذي تسكنه أغلبية من الطاجيك، والذي يدعمه المعارضون لأفغانستان وطالبان وتدعمه الهند أيضاً”، على حد تعبيره.

طالبان والصدام الداخلي

يوضح الكاتب والصحفي المصري المشكلة الحقيقية لدولة حبيسة كأفغانستان، بأنها تكمن “في الطبيعة التي  قسمتها والتعدد الإثني كعامل هام ساهم في إزدياد الشرخ بين أبنائها”، راجياً “عدم المبالغة في احتمالات الصدام، خصوصا أن الدول الكبرى حريصة على استقرار الوضع في البلاد”، مضيفا ان “التفاهمات التي جرت بين طالبان والولايات المتحدة الأميركية قبيل الانسحاب من جهة، وخلال فترة المفاوضات في الدوحة من جهة أخرى تطرقت لهذا الموضوع بشكل بديهي. فلا يمكن ان تدخل  قطر وتركيا لتأمين المطار في كابول دون وجود ضمانات أمنية بل سيتم الأمر ضمن إطار توافقي يجمع كل من اميركا وطالبان وقطر”، بحسب فهمي.

أفغانستان والإقليم اليوم، من وجهة نظر فهمي، بانتظار “ميلاد حكومة جديدة التي ستعكس مدى التوافق الداخلي، ولهذا إن موضوع انفجار المشهد الداخلي او الخلافات الداخلية مستبعد في الأجل القريب على الأقل ولنرى كيف يتشكل ما يمكن ان يُسمى بالوفاق الوطني في الحكومة المرتقبة”. مشيرا إلى “تعدد الفِرق والمكونات المجتمعية في أفغانستان التي تزيد عن 20 فرقة، ما يضاعف صعوبة المهمة القادمة، متسائلاً عن نصيب طالبان فيها”.

فوضى الانسحاب الأميركي

وحول النقاش الدائر بخصوص انتصار أميركا من عدمه في أفغانستان بعد عقدين من الاحتلال، يعتبر هويدي أن “من الطبيعي ان يصدر عن الرئيس جو بايدن تصريحات تدّعي الانتصار فهو صاحب الفرح” على حد تعبيره، مضيفاً أن متابعة ما ينشر “يعود بنا إلى مشهد الانسحاب الأميركي من فيتنام، ويضعنا أمام الحقيقة نفسها، ألا وهي الهزيمة الأميركية”، وقد إستحضر فهمي خلال حديثه الهاتفي مع “مرآة الجزيرة”، ما كان قد أعلنه الرئيس الأميركي بايدن  لناحية ما تكبدته خزينة الدولة يومياً في حربها على أفغانستان، معتبراً أن “مبلغ الـ 300 مليون دولار المعلن عنه لشيء رهيب ومُذهل صُرف لمدة 20 سنة ليخرجوا بعدها ركضاً وتحت جنح الظلام”، على حد وصفه.

“هناك هزيمة سياسية بالتأكيد”، هكذا يختصر فهمي أي جدل معتبراً أن ” كل الخرائط تغيرت وأن خروج القوات الأميركية يحسب نصراً لطالبان، هم كانوا يتوقعون سقوط الحكومة ولكن الحديث عن تقديرات المدة يُعدّ أمرا تفصيليا ويأتي في معرض التخفيف من حدة الهزيمة الصدمة”، يؤكد فهمي.  

مضيفا، ” أليس هناك دلالات عندما يقضي رئيس المكتب السياسي لطالبان 8 سنوات في السجون الأميركية، ثم يذهب رئيس السي آي ايه ويجتمع به مرتين في الدوحة؟! وبعدها يتم لقاؤه في قندهار بطائرة من كابول الى الولاية.. خلال 8 سنوات من اعتقاله، ماذا كانت تفعل أميركا كل هذه الفترة؟”.

على صعيد آخر، قال هويدي بأن” اوروبا اليوم تتمرد على أميركا”، مذكراً بما صدر عن منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي “ذهبنا الى افغانستان بتوافق مع واشنطن وعند الانسحاب خرجت أمريكا وحدها وتركتنا في العراء وينبغي ان نفكر جدياً في ان نتخذ قراراتنا بشكل مستقل وعدم الانسياق وراء القرارات الأميركية دفعة واحدة”. واصفا ما ورد بـ”التحول المهم، وأن من شأن التحولات الاستراتيجية أن تأخذ وقتا”،  مضيفا “كأنه كان ملفا مغلقا ومجمداً فجاء الانسحاب الهزيمة ليفحه على مصراعيه ويحرك الأوروبيين باتجاه معالجته”. ويُلفت فهمي في حديثه عن مصالح تنسجم مع هذا التوجه الأوروبي، مشيراً إلى أن “الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفي ظل ترقب بلاده للانتخابات القادمة مهتم بتحقيق أي انجاز ولو وهمي، وأن يثبت بأنه ديغول جديد ومن دعاة الاستقلال”، على حد تعبيره.

وعن احتمالية تمرد الحليف الخليجي الأول، نفى فهمي قدرة الرياض على تحقيق مثل هذا الخرق، منوّهاً إلى “أننا أمام انشقاق آخر قد تفضحه الأيام القادمة بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان بُعيد قرار نقل مكاتب العربية من دبي إلى الرياض، فأين “المملكة” من  فرصة التمرد؟”، لافتا إلى أن “ما يجري في أوروبا مقرون بوجود مجتمع متقدم يرفع صوته، تمثله مراكز ابحاث وجسم حيّ يتحرك ويعبّر عن رأيه بالاتفاق او الاختلاف مع الحكومة، الأمر غير وارد في السعودية، نحن لا نرى أثراً لصوت المجتمع السعودي خارج إطار منصات التواصل الاجتماعي”.

ايران وطالبان

فيما يرتبط بالعلاقة بين كل من ايران وطالبان، يوضح هويدي بأنها “من الأمور الحسّاسة التي يحرص الطرفان على عدم تناولها للنقاش”، مبررا ذلك بالقول “تاريخيا العلاقة متوترة بين الشيعة والسنة ويُعد هذا الملف من الملفات التي تحتاج الى حكمة شديدة وربما بعض المتحمسين يحاولون تفجيره في أفغانستان، لكن ايران بالتأكيد حريصة على التهدئة وعدم الانجرار لأي مواجهة مذهبية”، متسائلاً “هل سيُمثل الهزارة في الحكومة الجديدة؟”.

وفي الإطار نفسه، نبّه فهمي على ” عدم حصرية وجود الشيعة في افغانستان بل توزعهم في كل من باكستان والهند”، “فبالرغم من أهليّة المحيط للاشتعال إلا أنه يُدار من قبل قلّة من العقلاء”، على حد قوله، مضيفا بـ” إننا لا نستطيع ان نطمئن كليا لكننا ننتظر ان نرى اذا مُثل الشيعة في الحكومة او لا، لأن ذلك سيكون رسالة ذات مضامين مهمة”، مستشهدا بحضور قياديين من طالبان لمجلس عاشورائي على انه جزء من المصالحة بين الطرفين. كما شدد فهمي على “المصالح الإقتصادية التي تفرض هذا التوافق”، معتقدا بأن “أفغانستان ستكون ساحة لاختبار قدرتهم على التوافق مع التعقيدات والأشواك الموجودة في هذا البلد”، خاتماً بأن “الموضوع الأساسي في أفغانستان حالياً ليس الشيعة بل الشمال ومجموعة أحمد شاه مسعود”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى