ــالنشرةمقالاتمقالات وأراء

المواجهة بين السلطات السعودية والشيعة.. تعدد وسائل ووحدة هدف!

مرآة الجزيرة ـ جعفر الفضلي

معارك الشعوب في سبيل التحرر من حكم الاحتلال والاستبداد والديكتاتورية والتخلص من قبضة الإذلال وكمّاشة الحرمان والتهميش محكومة بظروف ومعطيات موضوعية تتصل بتفاصيل الحياة اليومية للافراد والمجتمعات، كما ترتبط بمدى نضجهم ووعيهم وأفق تطلعاتهم المستقبلية وإدراكهم لعوامل القوة والإمكانات والفرص التي يملكونها كأفراد وكجماعة/أمة، ودون التقليل من قيمة وتأثير العوامل  السياسية المحلية والإقليمية، ولكن الفيصل الحاسم يرجع إلى تلك العوامل المرتبطة بحياة وشخصية المجتمع الفرد والجماعة، إذ إن النصر والهزيمة وتقرير المصير وبناء المستقبل يتحدد وينصهر في هذه البيئة والبوتقة، التي تؤهله إلى مواجهة أعاصير وتحديات السلطة الحاكمة سواء تمثلت في قوة احتلال أجنبية أو داخلية كما هو الحال في المناطق التي أخضعها عبدالعزيز بن سعود بقوة السيف ودعم القوى الدولية والإقليمية التي  تحالف معها..

ولأن تجارب الشعوب تراكمية لا يمكننا أن نفصل تأثير الأحداث الكبرى ذات السمة المفصلية والمصيرية عن حركتها وسيرورتها الزمنية، فثورة الإمام الشهيد الشيخ محمد بن ناصر النمر عام 1928 كانت اللبنة الأولى في سلسلة الانتفاضات ضد سلطة الحكم السعودي، تلتها الاحتجاجات العمالية في المنطقة، وعدد من المواجهات الصغيرة في أكثر من مدينة وقرية ضد قوى الأمن ومطاوعة الوهابية وصولاً إلى الانتفاضة الكبرى في محرم 1979 بعد أن نضجت في المجتمع الشيعي حركة معارضة فتية استلهمت من تاريخها المحلي ومن المعاناة اليومية التي أنتجتها سياسات المحتل كل ما يلزمها لبناء حركة مُنظمة تجترح المستحيل لمقاومة النظام والسعي إلى إسقاطه وانتزاع حقوقها المستلبة، وهي انتفاضة تمخضت عن عمل سياسي مكثف وفعال استمر نحو 20 عاماً قبل أن تعصف بالتجربة رياح التقهقر في أعقاب ما عُرف بالمصالحة بين المعارضة والنظام في العام1992.

مع وصول طلائع العائدين من قيادات وكوادر المعارضة من الخارج إلى أرض الأحساء والقطيف باتت المنطقة تتهيأ لمرحلة من التحولات السياسية والاجتماعية، التي ربما غابت ملامحها آنذاك عن وعي وأذهان قوافل العائدين أنفسهم وعن السلطة السعودية أيضاً.

حينها كان الشك والريبة يحكمان تفكير وعلاقة الطرفين، خصوصاً وأن السلطة رصدت مبكراً وربما حتى قبل عودة المعارضين الانقسام الحاد في صفوفهم اتجاه عملية المصالحة، وأن طيفاً واسعاً من العائدين سواء من أعضاء وتيار “منظمة الثورة الإسلامية” أو كوادر وأعضاء “حزب الله الحجاز” كان يراهن على استغلال الأجواء التي أتاحتها المصالحة لترتيب أوراقه والتخفف من بعض أثقال الغربة وتحدياتها واستعادة أنفاسه ليعود إلى ميدان المنازلة والصراع مع النظام المحتل.

في المقابل كانت المعارضة حذرة في محض الثقة والاطمئنان إلى وعود النظام، وظلّت لبضع سنوات تخشى وتترقب احتمالات انقضاض السلطة عليها، بل أجزم ان بعضهم تمنّى تهور السلطة لترتكب خطأ من هذا النوع عبر اعتقال أي من الرموز والقيادات العائدة “أحدهم أسرّ لي بذلك منتصف العام 1995” حتى تحترق “الطبخة” وينفرط عقد المصالحة، فيجد من استأنس حياة الدعة والاستقرار نفسه مضطراً لمواجهة النظام وبالتالي يجد المتطلعون إلى تفعيل العمل المعارض المناخ والظروف الملائمة والمبررات السياسية والاجتماعية،  إلى جانب ما برز مبكراً من مماطلة السلطة في الوفاء بتعهداتها فيما يخص معالجة الملف الشيعي وتحقيق المطالب الجوهرية، بل انها عمدت إلى رصد ومراقبة ومحاصرة نشاط الكوارد البارزين وحركة تنقلاتهم في الداخل والخارج، وهو ما انعكس في إيقاف واحتجاز البعض منهم لساعات واخضاعه للتحقيق عند منافذ السفر سواء أثناء مغادرة البلاد أو حين العودة.

آنذاك كان يسهل على الرقيب المتابع رصد حالة انقلاب فكري وسلوكي وتحول عميق في القناعات والخيارات، قاد في وقت قصير جداً إلى تشظي وانفراط الروابط الحركية التنظيمية لا سيما على مستوى القاعدة، وهو أمر لم يحدث عفوياً وبلا تخطيط، بل هناك من عمل على التسبيب له والدفع باتجاهه لينفض يديه مما اعتبره حملاً وثقلاً ينبغي له التخلص من أعبائه!

وبطبيعة الحال لم يكن مئات العائدين من الخارج ومثلهم من كوادر وتيار المعارضة في الداخل على مستوى واحد من الوعي والتصميم ومسار التفكير والسلوك، الغالبية ابتلعتهم دوامة الحياة اليومية وغرقوا حتى آذانهم في توفير لقمة العيش وتحصيل أسباب الرفاه وتأمين مستقبل أسرهم بعد سنوات من التفرغ التام للعمل ضمن صفوف المعارضة بدافع الإيمان بأن ذلك عطاء وتضحية في سبيل الله ومن أجل المستضعفين والمضطهدين والمحرومين، ولكن سرعان ما انقلبت موازين التفكير وتبدلت القناعات، حتى طمست الدنيا بأدرانها على القلوب والأرواح وتبعثرت القافلة بعد أن تساقط من الركب الأكثرية التي تثاقلت إلى الأرض!.

مقابل تلك الحالة الانهزامية تبلورت ثلاث قوى وأطياف سياسية آلت على نفسها أن تلقي راية العمل ورفضت التخلي عن مسؤوليات النضال ضد استبداد وديكتاتورية النظام السعودي المحتل. أطياف ثلاثة ربما تتباين في الرؤى والتوجهات ومناهج العمل والتحرك، ويجمع بينها الايمان الراسخ بحق أهالي المنطقة الأصيل في مقاومة ما يتعرضون له من ظلم وبطش وتهميش وتمييز على مختلف أصعدة الحياة. وهذه السطور لا تهدف إلى تقديم دراسة تفصيلية للتعريف بهذه القوى والأطياف الثلاثة، لكن أشير لها إجمالاً: تيار خط الإمام كامتداد جماهيري لـ”حزب الله الحجاز”، والتيار الرسالي بقيادة الشهيد الفقيه العالم الشيخ نمر باقر النمر، و”حركة خلاص في الجزيرة العربية” بقيادة الدكتورين حمزة الحسن وفؤاد آل ابراهيم.

مظاهرة في محافظة القطيف

نخلص مما سبق إلى أن معركة الشيعة في مواجهة الاحتلال والاستبداد السعودي امتدت بعمر العرش السعودي نفسه، وتنوعت مشاربها ومناهجها ووسائل وأساليب عملها السياسي بين الثوري الجذري والاصلاحي والحقوقي، وغالباً ما كانت بعيدة عن النخبوية وأقرب للجماهير والقواعد الشعبية، وامتازت في مراحلها المختلفة بالقدرة على تحريك الشارع وتوظيف الجماهير وتوجيهها نحو الأهداف والغايات والتطلعات الكبرى.

ورغم المرور بمراحل يحسبها المراقب البعيد بالبيات الشتوي، ظلّت المنطقة دائماً تغلي على مرجل وتحتفظ بجذوة الثورة والرفض وطموحات التحرير والانعتاق وتتحين الظروف بل تصنعها للحظة مؤاتية للنهوض الشعبي العاصف ليهز عرش الحكم ويقض مضاجع الأمراء!

قدم الشيعة خلال الـ100 عام المنصرمة مئات الضحايا من الشهداء والمعتقلين والجرحى، وبذلوا في سبيل تحقيق تطلعهم المشروع للتحرر من حكم المحتل السعودي التضحيات الجسام من أعمارهم وممتلكاتهم وجهودهم، وهذا كلّه لم ولن يذهب هذراً، بل هو بذور غُرست في تربة صالحة تؤتي أكلها في كل حين، وإن غداً لناظره لقريب!

فينبغي أن نتيقن بأن وسائل وصور المواجهة قد تتبدل بين مرحلة وأخرى، وقد تتلاقف مسؤولية جهاد الظالم المحتل أجيال متتابعة، لكنها حتماً معركة لن تتوقف قبل بلوغ غايتها بإسقاط عرش المحتل وتشييد حكم رشيد يرعى مصالح شعب المنطقة ويحفظ حقوقهم ويصون كرامتهم وحرياتهم.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى