ــالنشرةمقالاتمقالات وأراء

من المدينة المنورة إلى الأحساء والقطيف.. جريمة البقيع تؤسس لانتفاضة الكرامة

جعفر الجشي ـ مرآة الجزيرة

أشرنا في المقال السابق “المواجهة بين السلطات السعودية والشيعة.. تعدد وسائل ووحدة أهداف!” إلى ثلاث قوى سياسية تمثلت في تيار خط الإمام كامتداد جماهيري لـ”حزب الله الحجاز”، والتيار الرسالي بقيادة الشهيد الفقيه العالم الشيخ نمر باقر النمر، و”حركة خلاص في الجزيرة العربية” وهي القوى التي نهضت بالدور الأكبر في التصدي لسياسات البطش والتمييز والتهميش التي ما فتأ النظام السعودي يُنفذها عبر مخططاته منذ احتل المنطقة.

في 20 فبراير 2009 ارتكتبت السلطة السعودية جريمة بشعة بحق المئات من شيعة المدينة والأحساء والقطيف من زوّار رسول الله”ص” وعترته الطاهرة”ع” في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة، جريمة شارك في ارتكابها جلاوزة السلطة المسلحين إلى جانب فلول الوهابيين المطاوعة من عناصر الشرطة الدينية “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وعشرات العناصر من المباحث باللباس المدني مستخدمين الأسلحة البيضاء وقضبان الحديد والعصي الخشبية مما أسفر عن إصابة عشرات الشيعة من النساء والأطفال والرجال من بينهم علماء دين وطاعنين في السن، ثم عمدت السلطة إلى اعتقال العديد منهم وزجت بهم في السجن بذريعة إثارة الفوضى والاعتداء على رجال الأمن!!

على المستوى الشيعي تلقفت القوى السياسية الثلاث، كما عموم القوى الاجتماعية والدينية والناس عموماً نبأ الجريمة كإشارة بالتصعيد الرسمي والعلني ضد الشيعة وشعائرهم وحرياتهم، وراح كلٌ يتحرك من خلال وسائله ووفق منهجه للتصدي لتجاوزات السلطة والانتصاف للضحايا، وهنا لسنا معنيين باستحضار تفاصيل الواقعة وتتبع يومياتها ومحاكمة أداء السلطة أو القوى الشيعية، بقدر ما يهمنا أن نستحضر ردة الفعل الجماهيرية والموقف الشعبي الذي امتاز بالشجاعة والتحدي والصلابة في التصدي لاعتداءات السلطة السعودية دون خوف أو خشية أو رهبة من أوباش وجلاوزة الأجهزة الأمنية، وثاروا في وجه المعتدين المدججين بالسلاح بأيد خالية من أي وسيلة مقاومة سوى الغيرة على أعراض وشرف النساء وحياة الأطفال والإيمان بحقوقهم الدينية والانسانية والثقة المطلقة بأن الله معهم وناصرهم على البغاة المعتدين من فلول النظام السعودي وقواته.

أفرز الحدث تفاعلات وردود أفعال ومبادرات واسعة على المستويات الاجتماعية والدينية والسياسية في الأوساط الشيعية، وتلاقفته وسائل الاعلام المحلية والدولية خصوصاً في أعقاب الموقف الشجاع والبارز للشهيد الشيخ النمر الذي لوّح بالذهاب إلى خيار الانفصال بإقليم الأحساء والقطيف إذا تردد الأمر بينه وبين خيارات المسّ بالكرامة والشرف والأعراض والدماء والحقوق الدينية.

كما شهدت الفترة ذاتها إشهار تأسيس “حركة خلاص في شبه الجزيرة العربية” والتي تأسست في العام 2006 واستمرت تعمل وتتحرك في الداخل والخارج دون الاعلان عن هويتها التنظيمية والحركية حتى ذلك الحين، فجاءت جريمة النظام السعودي الدموية بحق الزوار الشيعة في البقيع لتفرض على الحركة الخروج للعلن في أول بياناتها.

ومنذ فبراير 2009 لم تهدأ الساحة الشيعية لا سيما في القطيف والأحساء، وظلّت تمور بنشاط دؤوب سراً وعلانية، وراحت اجهزة الأمن السعودي ترصد وتراقب وتطارد وشنت حملات اعتقال طالت العشرات بينهم رجل الدين الأحسائي البارز الشيخ توفيق العامر وقد اضطرت السلطة للإفراج عنه تحت ضغط حشود الجماهي رالتي تدفقت إلى مقر السجن وأمارة المنطقة، ثم ما لبثت أن عاودت اعتقاله في فبراير 2011، وفي الثقبة بمدينة الخبر اعتقل ممثل الشيعة سماحة العلامة السيد محمد باقر الناصر. فيما عجزت أجهزة السلطة عن اعتقال الشهيد الشيخ النمر الذي ظل مطارداً حتى لحظة اعتقاله الأخير في 8 يوليو/تموز العام 2012.

انفجار البركان

أحسب أن السلطة السعودية بأجهزتها الأمنية والاستخبارية، كما القوى الاجتماعية الشيعية التقليدية بنسختيها القديمة متمثلة بالوجهاء وأصحاب رؤوس الأموال وبعض رجال الدين ذوي الصلات والعلاقة مع النظام، والنسخة الأخرى التي وصفها الدكتور حمزة الحسن بـ”الوجهاء الجدد” وهم التيار المتقاعد من المعارضة بعد عودتهم من الخارج، أحسب انهم جميعاً فوجئوا وصُعقوا بانفجار طوفان انتفاضة الكرامة في مارس 2011 بعد سلسلة من التظاهرات الصغيرة خلال شهر فبراير، تلك الانتفاضة التي شهدت ذروتها في أعقاب عروج أول شهدائها الشاب الشهيد ناصر المحيشي في 20 نوفمبر2011 ليلتحق به مساء اليوم التالي 21 نوفمبر الشاب الشهيد السيد علي الفلفل، واللذان شيعا معاً إلى مثواهما الأخير.. ليلتحق بهما بعد ساعات من مواراتهما الثرى الشابان الشهيدان السيد منيب العدنان وعلي آل قريريص.

ورغم اندلاع الانتفاضة بالتزامن مع ما عُرف بثورات الربيع العربي في تونس ومصر والبحرين، ورغم ما يجمع بين مناطق الأحساء والقطيف وبين البحرين من علاقات ووشائج تاريخية ودينية وعائلية/أسرية، رغم كل هذه القواسم المشتركة وعوامل التأثير المتبادل إلا أني أجزم قاطعاً أن بركان انتفاضة الكرامة كان يغلي ويتحضر للانفجار منذ سنوات وعلى الأقل منذ ارتكب النظام السعودي جريمته النكراء في البقيع الغرقد. وسنعود لمناقشة منطلقات وعوامل الانتفاضة في مقال آخر مستقل.

إن حالة الاحتقان والسخط على سياسات السلطة السعودية وتجاوزاتها الاضطهادية التي طالت مختلف الشرائح والفئات والمناطق الشيعية دفعت بكل الأطياف والتوجهات والفئات العمرية من النساء والرجال للمشاركة الواسعة والفعالة في كافة برامج وفعاليات وأنشطة الانتفاضة منذ بواكير انطلافتها 2011 وهو ما شكل أكبر وأهم سند لانجاح الانتفاضة واستمرارها طوال 5 أعوام بزخم منقطع النظير أدهش حتى أقرب المراقبين لأوضاع المنطقة.

ولقد مثّل عروج الشهداء الأربعة مُضرجين بدمائهم الطاهرة التي سفكتها رصاصات الغدر السعودي وسلسلة الاعتقالات العشوائية ونشر المتاريس العسكرية والحواجز الأمنية ومفارز نقاط التفتيش على مداخل ومخارج القطيف وطرقها الداخلية إيذاناً بأن السلطة مصرة على أخذ المنطقة إلى مرحلة من الانفجار الدموي العنيف في مواجهة حركة الاحتجاجات الجماهيرية السلمية، الأمر الذي ساهم بلا شك في تثوير الشارع وتغذيته بزخم جماهيري غاضب احتجاجاً على استرخاص السلطة لدماء الشيعة وتجاهلها الحرمات وتعديها على الكرامات وإهانتها لرموز ومقدسات الطائفة الشيعية.

ولم تكن أياً من القوى السياسية الثلاث التي قادت الانتفاضة وساهمت في تنظيم فعالياتها وأنشطتها في مختلف مناطق وقرى الأحساء والقطيف تريد الذهاب بجماهيرها إلى منزلقات العنف الذي خططت له السلطة وعملت على جرّ المنطقة إليه، حتى اضطر الشهيد الشيخ النمر ورموز الانتفاضة الآخرين إلى التحذير علناً من الوقوع في فخ النظام، مع التأكيد دائماً وأبداً على حق أفراد المجتمع المسالم في الدفاع عن أعراضهم وحرماتهم ودمائهم وكرامتهم أمام تغول السلطة وهمجيتها وعنفها الوحشي.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى