ــالنشرةتحليلات

إزدواجية الأوجه…”السعودية” خير مثال !

مرآة الجزيرة – يارا بليبل

يساهم تراكم الأحداث والمشاهد في وعي أي مراقب بالحؤول دون استحضار الكثير من التفاصيل مع مرور الوقت،  لكن دائما هناك تفصيل يبنى عليه أي تغيّر قد يطرأ. في السياسة لا خطوط حمراء، فكيف إذا كانت السياسة تمارس من بوابة نظام ديكتاتوري كالنظام السعودي؟

ولأن محمد بن سلمان برؤيته 2030، بما فيها من خيال، يضع “دبي” نموذجاً نصب عينه، ويزعجه هذا “التأخر” في تحسين سمعة البلاد والطابع الوهابي لـ”مملكته المتوارثة” وغياب الحماس الغربي في الاستثمار التنموي ومتعدد الأبعاد، كلها عوامل تجعله يقدم على أي خطوة قد تدنيه متراً من المشروع الحلم.

فبعد إستضافة ” السعودية ” خلال الأعوام السابقة عدداً من الفعاليات الرياضية في 2020، منها البطولة الدولية لمحترفي الغولف، كما بطولة التنس العالمية في الدرعية التي انعقدت نهاية العام 2019، كما واستضافت كأس السوبر الإيطالي الذي جمع بين فريقي يوفنتوس وميلان، وبطولة العالم للأندية لكرة اليد “سوبر غلوبال” في منطقة الإحساء والقطيف وغيرها من الاستحقاقات الرياضية.

لم يكن غرض محمد بن سلمان من احتضان كل هذه الفعاليات الرياضية وقفاً على تأسيس النموذج “المأمول” للنظام السعودي، بل يتعداه إلى ما يمكن وصفه بسياسة التعميّة التي ينتهجها آل سعود عن جرائمهم وتقييدهم للحريات.

فقد قالت “هيومن رايتس ووتش”، في تشرين الثاني 2020، ” إن إعلان فورمولا 1 يجعلها الشركة الأحدث في قائمة الأحداث الرياضية المتزايدة التي تستخدمها السعودية على ما يبدو لصرف الانتباه عن انتهاكاتها الحقوقية الجسيمة. بعد عامين من جريمة القتل الوقحة بحق الصحفي جمال خاشقجي بالقنصلية السعودية في اسطنبول، شرعت البلاد في استخدام الرياضة لتلميع صورتها باستضافة مباراة ملاكمة عالمية للوزن الثقيل، وسباق سيارات صحراوي رفيع المستوى، والآن تستضيف أحد أبرز سباقات الحلبات.”

 كما صرحت مينكي ووردن، مديرة المبادرات العالمية في هيومن رايتس ووتش: “إذا كانت فورمولا 1 جادة في احترام سياساتها الحقوقية، فعليها بذل جهد حقيقي لتقييم الظروف في السعودية والدعوة إلى إطلاق سراح مناصرات حقوق المرأة اللواتي دافعن عن السماح للمرأة بالقيادة. لا يوجد دليل على اتباع مجموعة فورمولا 1 أو “الاتحاد الدولي للسيارات” الذي ينظم هذه الرياضة سياساتهما الحقوقية في خططهما بشأن السعودية.”

وفي السياق، لم يمر وقت طويل على الإفراج عن لجين الهذلول، التي كانت واحدة من بين العشرات من السيدات “السعوديات” اللواتي قبعن في السجون لكونهن دافعن عن حق المرأة في القيادة وإنهاء نظام ولاية الرجل التمييزي، حيث حكم على الناشطة في مجال حقوق المرأة لجين الهذلول في كانون الأول 2020 بالسجن لأكثر من خمسة سنوات بتهمة الإضرار بالأمن القومي، والسعي لتغيير النظام السياسي السعودي، واستخدام علاقاتها مع الحكومات الأجنبية.

يأتي ذلك في الوقت الذي سلطت المحامية والناشطة البريطانية ” هيلينا كينيدي”، الضوء على أبرز الانتهاكات التي تتعرض لها معتقلات الرأي في السعودية. كاشفة في تصريحات صحفية، أمس، بأن “الناشطات السعوديات يتعرضن للاعتقال لمجرد إبداء الرأي وكذلك للتعذيب الجسدي والتحرش الجنسي في السجون. كما لانتهاكات جسيمة داخل السجون، من بينها الحبس الانفرادي ومنع الاتصال، فضلًا عن ملاحقة أفراد العائلة ومنعهم من السفر، وغير ذلك من ضروب المعاملة السيئة”.

مشيرة إلى أنه “لا يزال هنالك ما يقارب على 60 معتقلة رأي، تقبع في سجون السلطات، بسبب تعبيرهم عن الرأي، في ظل الانتهاكات الجسيمة المتواصلة التي يتعرضن لها، بجانب تجاهل السلطات لمخاطر هذه الجرائم”.

لا تكتفي سلطات آل سعود بما وصل إليه ملف حقوق الإنسان في البلاد من تدهور، بل تسعى إلى مزيد من الابتكار في سياسة التهويد المعتمدة داخليا، إذ لم تتوقف في الأشهر الأخيرة عمليات الإخفاء القسري التي لم تختزل باستهدافها لأصحاب الرأي المعارض لـ”ولي الأمر”، بل وصل حد طال به أعضاء “العائلة المالكة”.

وفي الحديث عن الاخفاء القسري، لم تصادق السعودية على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري 1992، فتستمر “السعودية” في صورة روتينية باستهداف كل من يمارس الحق في التعبير عن الرأي وغيره من الحقوق الأساسية، وليس الحديث عن عملية قتل الصحفي جمال الخاشقجي إلا كمثالاً ساطعا عن طول يد السلطات السعودية.

ونذكر أيضا، سليمان الدويش الذي اعتقل في 22 أبريل 2016 بعد يوم من نشره تغريدات يظن أنه ينتقد فيها الملك سلمان ومحمد بن سلمان الذي كان نائبا لولي العهد وقتها، فقلّته طائرة إلى الرياض ليلتها وأخذ بعد ذلك إلى أحد القصور الملكية، حيث تطاول عليه أحد كبار المسؤولين بالضرب المبرح حتى غرق بالدماء وتدخل بعض الحضور للحؤول دون قتله، ولم تكن تلك آخر مرة يعذب فيها أثناء احتجازه، وقد شوهد الدويش آخر مرة في يوليو 2018 في إحدى معتقلات القصور الملكية، ولم ترد أي أنباء عنه أو عن صحته أو مكان احتجازه منذئذ، وما يزال إلى اليوم رهن الإخفاء القسري.

كما انه في الأشهر الأخيرة اعتقل وأخفي العديد من النشطاء والمدونين اعتقالا تعسّفيا على خلفية ممارستهم حقهم في حرية التعبير عبر الإنترنت بشكل سلمي لا أكثر، ومن هؤلاء من اعتقل في أيار، منهم لينا الشريف وعبد الله جيلان ، ومن اعتقل في تموز، ومنهم عبد الله المباركي، حيث اقتيد كل منهم إلى أماكن مجهولة وحُرموا من الاتصال بأسرهم منذ وقت إخفائهم، بحسب منظمة القسط لدعم حقوق الإنسان.

أما في ظل لجوء فئة واسعة من ” المجتمع السعودي” للعالم الافتراضي، أصبحت المراقبة والتجسس تلاحق كل الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ليزيد وضع حقوق الإنسان سوءا وتدهورا، في ظل القيود التي تفرضها السلطات على الحريات.

وبهذا السياق، أقر القضاء قانون جرائم المعلوماتية؛ عقوبة بالسجن 5 سنوات، وغرامة مالية قدرها 3 ملايين ريال، لمن يطرح رأياً يخالف توجهات السلطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو بمثابة شرعنة صريحة لقمع المنتقدين وإسكات الأصوات المطالبة بالإصلاح. 

أمام كل ما ورد من سجل حافل للانتهاكات الحقوقية التي تسطرها أجهزة القمع السعودية، تحتفل السلطات بـ”الإنجاز الرياضي” باعتباره باباً آخر من أبواب ” الانفتاح “، وتغطية على واقع حقوقي داخلي مأزوم ومنتهك، وصمت دولي ينزع عنه مبادئ الديمقراطية المزعومة عند أول قطرة نفط.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى