ــالنشرةمقالاتمقالات وأراء

الاعدامات الأمنية في ميزان التحليل.. قراءة عابرة في الدلالات والأسباب

-العدالة والحرية والعبودية الالهية المطلقة هي الأهداف الأخلاقية للشهداء

  • الاعدامات الأمنية ليست سياق داخلي بحت، بل ردة فعل على الزلزال التغييري الذي فلق المنطقة وغير معادلاتها…
  • السلطة السعودية بعقليتها البدوية لا تعترف بلغة الاصلاحات السياسية…
  • الاعدامات ليست نتاج محاكمات عادلة، بل تقديرات ظالمة لتجويف فاعلية التطورات الداخلية والخارجية ذاهبة نحو تغيير موازين القوى في المنطقة …
  • قيادة آل سعود للمشهد التطبيعي أعطت مبررا لكل حر أبي شريف في الأمة بأن يواجه هذا النظام ويقاوم خططه وسياساته…

مرآة الجزيرة ـ الشيخ جاسم المحمد علي*

(قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ)

نبارك لعوائل الشهداء الصابرة والمضحية ولمجتمعاتنا المؤمنة عروج شهيد النضال والفداء((السيد عدنان الشرفا)) إلى مقام اللقاء الإلهي السامي، وحصولَه على شرف الدخول في ساحة القدس الملكوتية، كما أننا في الوقت نفسه نعزيهم على فراق أبنائهم الصادقين المؤمنين السائرين على خط الإيمان والمقاومة في سبيل الحرية والكرامة .

في هذه العجالة المختصرة نسجل الادانة الواضحة والصريحة للسلطة السعودية الجائرة على قتلها للشهيد المظلوم الشرفا الذي اُعدِم ظلما وعدوانا، وهذا الاعدام ليس وحيدا من نوعه، بل هو جزء من مسلسل طويل ومتعدد من الاعدامات الجائرة والظالمة، هذا المسلسل الذي أفصح بكل وضوح عن هوية النظام الاجرامية والارهابية.

كما أن هذا الحدث ونظائره راكم التأكيدات المتنوعة لكل المنصفين بأن بؤس النظام وظلمَه لم يعد مقتصرا على الاستبداد السياسي في اطاره الداخلي والمناطقي، بل بات يشكل خطورةً حقيقيةً وعميقةً على الأمة الإسلامية بمجتمعاتها المختلفة، الأمر الذي يحيج أهل الاباء والعزة والكرامة إلى تحشيد أطرافهم وطاقتهم من أجل مواجهته ورفضه بل والعمل على اسقاطه؛ في سبيل الحفاظ على خط الإسلام النقي وأبنائه من الضعف والانحراف والضياع.

مميزات المقاوم والثوري، الأهداف الأخلاقية للشهيد

الشهيد والثوري والمقاوم الذي يخوض معركة الكرامة،  ويتصدى للدفاع عن مجتمعه، ويذود عن قيمه، هو في أدبيات الدين والعقيدة انسانٌ يحوز أفقا واسعا في فهم معادلة الدنيا والآخرة، ويملك بعدًا رساليا في النشاط والحركة، ويحمل استعدادًا عاليا للتضيحة في سبيل همومه الكبرى، فبلا شك أمثال هؤلاء المضحين يستحقون منا، من المجتمع،  من الأمة، يستحقون الوقفة الصادقة والمنحنية أمام قاماتهم المعطاءة والسخية، وذلك من خلال الاستمرار في مسيرتهم مسيرة العطاء والثورة والمواجهة لهذه الأنظمة الشمولية البائسة إلى أن ننتزع بقوتنا وإرادتنا العدالة والحرية والكرامة، فهذا هو حق الشهداء علينا، وهذا هي أهدافهم الأخلاقية التي من أجلها خاضوا الصراع ضد الظلم والطغيان، وحمّلونا أمانة الاكمال والمواصلة لهذا الطريق في سبيل التحرر من الاستعباد البشري والأرضي، والوصول إلى العبودية الإلهية المطلقة.

خلفيات الاعدام وسياقاته ودلالاته

في اطار هذا الحدث ودلالاته، يجدر بنا أن نشير بصورة مختصرة إلى نقاط متعددة:

1/ إن مسلسل الاعدامات المتواصلة من السلطة السعودية لم يأتِ في سياق داخلي منفصل عن الأوضاع العامة في المنطقة، بل هو جاء في ضمن الزلزال التغييري الذي فلق المنطقة وغيّر معادلاتها، ومجتمعنا في الجزيرة العربية كان واحدًا من المجتمعات التي ترزح تحت وطأة الظلم منذ عقود طويلة، فمن الطبيعي ان هذه الثورات المنتفضة على أنظمتها الظالمة  ستشكل عاملا فاعلا لمجتمعنا في تحريك شعوره الكامن والمتراكم بضرورة خوض المعترك التغييري، من أجل البدء بالخروج من نفق الظلم والاستعباد إلى نور الحرية والكرامة الذي قد يحتاج تجارب متراكمة وسنين متعددة، حسب ما تقتضيه الإرادة الإلهية وخلوص جهاد المضحين واستمرارهم وثباتهم في ساحة العمل الحراك والبناء.

 الإمام الخميني كان يقول: الغرب قال كلمته وبعد ٣ قرون وصل الى غاياته، فعلينا نحن أيضا أن نقول كلمتنا حتى نصل الى مرادنا…

 وهذا ما جعل النظام السعودي يتخذ من وسيلة الاعدامات الأمنية المتعددة وغيرها من الوسائل كشكل من أشكال التدابير القمعية القائمة على تجويف الحراك التغييري وتجميده في أي محطة انطلق وفي أي مرحلة انبثق.

2/ السلطة السعودية بعقليتها البدوية والقبلية والطائفية، لاتعترف بلغة الاصلاحات السياسية والاجتماعية، ولا تذهب إلى معالجة المشكلة التاريخية المزمنة التي يعاني منها الشعب ومكوناته، بل هي تصر من وحي ثقافتها الاستعبادية على أن تتجه نحو ردود الافعال الانتقامية بدءً من الاعتقالات العشوائية الضخمة، وانتهاءً بمسلسل الاعدامات المستمرة؛ اعتقادًا منها أن هذه الطريقة العنيفة قادرة على أن تجبر ضعفها الذي تعانيه في الأبعاد السياسية والاجتماعية، وتساعدَها على تقويض كل المحاولات النهوضية للمجتمع التي تنبعث من ركام الضغط والبطش..

3/ من الواضح للرأي العام أن هذه الاعدامات التعسفية ليست نتاج محاكمات عادلة وموضوعية ورصينة، بل هي خاضعة لمجموعة من التطورات الداخلية والخارجية المتشابكة والمتداخلة والمترافقة مع تطورات كبرى في المنطقة متجهة نحو تغيير موازين القوى، من صعود محور وهبوط آخر، والنظام السعودي بهذه السلوكيات الأمنية العنيفة يريد أن يوصل رسائل متعددة الاتجاهات والأبعاد، فمن جهة هذه الاجراءات الأمنية القاتلة والعنيفة وإن كان يمكن وضعها في سياق الصراع الاقليمي ومعارك محاوره، التي بلا شك لها تأثيرها الأساسي والبالغ في صنع القرارات السياسية والأمنية للنظام السعودي، لكن أيضا من الضروري أن لا نغفل عوامل داخلية ذات أهمية كبرى، فالسعودية في المرحلة الراهنة تشهد منعطفا سلبيا غير مسبوق في قواعدها البنيوية ومقوماتها الوجودية:

تهديدات أساسية يواجهها النظام

تشظي الوحدة العائلية ..

وتقلص الحماية الامريكية المباشرة لنظامه السياسي الذي برزت تداعياته في أكثر من ساحة ليس آخرها أفغانستان، كما أن الأمريكي أخبرهم مؤخرًا  عبر وزير خارجيته وكذلك وزير الدفاع التابع له بأنه لم يعد مستعدًا لتحمل أعباء الدفاع عن عن سلطتهم ووجودهم ونفطهم …

وتراجع الوضع الاقتصادي بشكل متواصل بالانتقال من الحالة الريعية الى الحالة الاستثمارية التي يبدو بحسب تقييم المراقبين والمتخصصين أنها صعبة التحقق، بل باءت بالفشل في أكثر من موقع وأكثر من مشروع، حتى صارت العملية التعديلية لها عملية مستمرة ..

الى جانب بروز ملفات جديدة مع خطة التحول الوطني ذات طابع اخلاقي وثقافي واقتصادي، وباتت تشكل ثقلا على كاهل الدولة …

الى جانب تشكل جديد يعيش تطورا في الوعي الحقوقي والسياسي، ويشاهد تحولات سياسية عميقة في المنطقة والاقليم، ويتفاعل مع التغيرات الثقافية والفكرية، ويملك أدوات تواصل منفتحة، فمن الطبيعي لمثل هذا الجيل أن يشعر بالاضطهاد عندما تغيب عنده فرص التعبير عن الرأي، والمشاركة في القرار ..

بالاضافة الى صراعاته المتنوعة في المنطقة والمستنزفة لقدراته وامكاناته وعلى رأسها الحرب مع اليمن، حتى ذهب الى ناحية اعادة تشكيل تحالفاته الاقليمية ليكون التطبيع محورها الرئيس، خصوصا مع تضاؤل الدور الأمريكي في الدفاع والمساندة، والحاجة الى الحماية البديلة ..

هذه التحديات وغيرها هي من نوع الرهانات الوجودية التي تشكل تهديدًا صعبا وعسيرًا  لمجمل عناصر القوة في النظام السعودي، هذه العناصر التي وفرت فرص التماسك والاستمرار للنظام بوصفه سلطة عائلية الى يومنا هذا ولم يتحول إلى دولة سياسية مكتملة النمو بالمعيار الحضاري الحديث …

هذه التهديدات كما تشهد الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتؤكد التقارير والدراسات،  بات تجعل النظام يدخل في مسار اضعاف بنيته الداخلية، وتراجع مكانته الاقليمية والاسلامية والعربية، وخسارة في الكثير من موارده ومواقعه، الأمر الذي يفسر لنا نمط تفكيره وسلوكه وأدائه ..

مقومات العمل التغييري المقاوم، أهميته، مبرراته

ونحن في هذه السياق نحتاج إلى التأكيد على عدة نقاط من وحي التطورات القائمة :

1/ علينا ان نستبدل منطق الخوف والتردد والذاتية بمنطق الشجاعة والإرادة والايثار، فعلينا أن نكافح أخلاقية الهزيمة، ونتبنى أخلاقية التغيير والنضال والجهاد.

2/ نحتاج إلى رص الصفوف وتوحيد المواقف في سياق العمل التغييري بالشكل الذي يخدم القضية الأم والرسالة الأساس، وان لا نسمح لأنفسنا أن تنحرف بنا البوصلة من مواجهة الظلم إلى الانغمار بالقضايا الهامشية والثانوية، خصوصا مع هذه التطورات التي أطلقها النظام ذات الصلة المسيسة بالدين والقيم..

3/ لم يعد العمل التغييري المقاوم والممانع في الوقت الراهن نزهة أو تسلية، بل هو خيار حصري للخروج من ساحة الانحراف والظلم والاستبداد، فالسلطة السعودية وصلت بها الجرأة إلى حد تجاوز الخطوط الحمر على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي والأمني.

فعلينا أن نحدد الأولويات في الساحة بالطريقة التي تأخذ بعين الاعتبار أن العهد السلماني، صار يصدر الوباء  الأخلاقي والاجتماعي عبر أجهزته الاستخبارية، ومكائنه الاعلامية، ووسائله الثقافية الناعمة التي تهدف إلى أن تقتل في المجتمع البقية الباقية من عزته وغيرته وكرامته، إلى جانب قيام النظام السعودي بأكبر جريمة في حق الأمة وهي قيادة المشهد التطبيعي مع الكيان الصهيوني، هذه الجريمة التي أعطت لكل حر أبي شريف المبرر الكافي لرفض هذا النظام ومواجهته ومقاومته .. مهما كانت التضحيات والنتائج

نسأل الله الدرجات الرفيعة لشهدائنا، ولأنفسنا الصدق والبصيرة..

————————————————————————

* نص الكلمة التي ألقاها سماحته في الحفل التأبيني للشهيد السيد مصطفى الشرفا في مدينة قم المقدسة في الجمهورية الاسلامية الايرانية

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى