ــالنشرةدراسات وبحوث

العلاقات الأميركية السعودية بعد الحادي عشر من أيلول 1

بدون عناء شديد وفرت أرض البلاد التي احتلها آل سعود فرصة هائلة في باطن الأرض، كما أتاح احتضان الحرمين الشريفين ليقدموا نفسهم حماة الدين والإسلام ، بهذا يختصر الكاتب واقع “السعودية” لافتاً إلى أن المتتبع لتاريخها يدرك بأنها لم تنشأ ضمن مسار اندماجي، و”يثبت ذلك من خلال المحاولات في المناهج والبرامج التربوية الإعلامية في مسعى لتعريف أهل المناطق ببلدهم وخلق هوية وطنية جامعة، لكن المفارقة أن هذه الخطوات في ظل الضغوط الكبيرة تُفسر على انها حاجة في سياق المواجهة الكبيرة،،،

مرآة الجزيرة – يارا بليبل

” العلاقات الأميركية السعودية بعد الحادي عشر من أيلول”، مؤلف للباحث السياسي د. بلال اللقيس، يستعرض الكاتب على مساحة تتعدى الـ450 صفحة أحد أهم الملفات السياسية نظراً لتأثيراتها الاستراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي، كما وطبيعة المحاور والتحالفات التي تشكلت منذ عقود في الشرق الأوسط.

يتناول الإصدار الجديد لدار المعارف الحكمية جدل هذه العلاقة في توصيفها وتعريفها بين الولايات المتحدة الأميركية و”السعودية”، مفنداً العوامل التي تحكمها والتحولات المؤثرة عليها إنطلاقاً من أحداث الحادي عشر من أيلول وما تلاها من “حرب عالمية على الإرهاب”، ببعدها الإسلامي والديني، الذي أوجب البحث عن مخاض التحول لدى الطرفين في تعريف الذات والهوية والدور.

على مدى قسمين، يستعرض د.لقيس في القسم الأول ببعده النظري، نظريات العلاقات الدوليّة، أميركا و”المملكة السعودية” من منظور البنائية، كما أوجه الشبه بين البلدين، ومراحل العلاقة. أما في القسم الثاني، يستعرض في فصوله الخمسة، النظام الدولي والإقليميّ مطلع الألفية الثالثة من منظور البنائية، لينتقل في الفصل الثاني إلى مرحلة جورج بوش الإبن، كما مرحلة باراك أوباما، وصولاً إلى الفترة الأكثر ضوضاء مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية، خاتماً باظهار نواتج انتهاء عقدين من العلاقات بين الطرفين.

يستهل الكاتب حديثه عن “المملكة السعودية” بالإشارة إلى ما يحيط “السعودية” من غموض كبير، لناحية بلوغ معلومة رسمية حول أي من مسائلها الجوهرية والأولية من مثل “واقعها الديموغرافي” وبنية مكوّناتها ونسبة الوافدين للعمل إلى السكان الأصليين ونسبة البطالة والواقع الاجتماعي وطريقة توزع المالية العامة للبلاد. معتبراً أننا أمام كيان غير مستقر ولا نهائي بل مشكك به، إن “الأرض ملك العائلة، ولا يوجد معنى واضح لـ”وعي” وحدة المجتمع السعودي وتعريف لطبيعته وعلاقة المكونات ببعضها البعض وبالسلطة”، كما يشير إلى غياب الدستور غير “القرآن”، وعدم وجود تاريخ ممتد للملكة بهيئتها الحالية إذ تعبتر حديثة النشآة ولم تحظ بتجربة مقاومة استعمار أجنبي.

ظروف النشأة والتأسيس

يوضح د.بلال أنه منذ تأسيس “المملكة”، ارتكز آل سعود لنيل شرعية حكمهم على 3 أعمدة إلى جانب رعاية قوة كبرى، فكان أولاً التحالف مع الوهابية، والتحالف مع الدولة الريعية ثانياً، والتصدي لعدو يُنتخب ويُقدم على انه الخطر الوجودي أخيراً.

“بدون عناء شديد وفرت أرض المملكة لآل سعود فرصة هائلة في باطن الأرض، كما أتاح احتضان الحرمين الشريفين ليقدموا نفسهم حماة الدين والإسلام “، بهذا يختصر الكاتب واقع “المملكة” لافتاً إلى أن المتتبع لتاريخها يدرك بأنها لم تنشأ ضمن مسار اندماجي، و”يثبت ذلك من خلال المحاولات في المناهج والبرامج التربوية الإعلامية في مسعى لتعريف أهل المناطق ببلدهم وخلق هوية وطنية جامعة، لكن المفارقة أن هذه الخطوات في ظل الضغوط الكبيرة تُفسر على انها حاجة في سياق المواجهة الكبيرة”.

يقول الكاتب بأنه منذ حكم عبد العزيز إلى اليوم، يلحظ تنامي نفوذ جناح آل سعود مقابل الجناح الديني، مضيفاً بأن وجود جيشين في تركيبة النظام جيش الدولة وجيش الأسرة الحاكمة حتى الأمد القريب، لهو تعريف عن الخوف التاريخي من وجود جيش موحد ممكن أن يهدد النظام بالانقلاب. فضلاً عن تكريس قاعدة توازن دقيق بين أفراد العائلة الذي فرض نوعاً من التجزئة للمجال العام، فلم ينشأ إشراف مركزي وسياسات شفافة وموازنة كما بقية الدول، تحدّد سياسات الصرف وكيفياته.

“السعودية” من الداخل

يطرح الكاتب ملف الداخل ” السعودي” من بوابة الانتقال السريع والمفاجئ بين حالتين (“من الجمل إلى الكاديلاك”، ومن “الخيمة إلى ناطحات السحاب”) بوصفها طفرات يصعب استيعابها إذا ما افتقر للملاءة المعرفية والنفسية ما يؤدي حتماً  إلى فجوات عميقة.

ويبيّن الكاتب في حديثه عن الاقتصاد بأن 90% من اقتصاد “السعودية” قائم على النفط ومشتقاته ويلفت إلى واقع الافتقار إلى الطاقة البيضاء من النخب والمبدعين، على الرغم من وفرة المال والصروح العلمية الجامعية، معرجاً على دور “الملك” وإمساكه لزمام كافة السلطات في البلاد، لكونه يمثل أحد مصادر الشرعيّة. مضيفاً بأن “المملكة” تعتمد على قوة فائض المال، ما يجعلها تقارب أغلب المشاكل بذهنية أن كل شيء يتم بالمال. مشيراً إلى غياب الحياة السياسية إن كان من الأحزاب او النقابات او حتى التعبير الفردي، ربطاً بالعقد الاجتماعي القائم. لكن، منذ بداية التسعينات من القرن المنصرم، بدا أن ثمة بدايات لتشكل نوع من المعارضة السياسية تعبر عن خليط من التوجهات الفكرية والدينية والإيديولوجية ما بين إسلاميين وليبراليين، حتى بدأت تظهر مع نهاية التسعينات معالم توجهين، الأول ديني تقدمي “يطالب بضرورة تطوير أداء المؤسسة الدينية الرسمية، والتشجيع على ضرورة تفسير الدين الإسلامي بطريقة يمكنها استيعاب الأفكار الحديثة، مثل محاسبة الحكومة وتدعيم الحريات السياسية واحترام حقوق الإنسان”. أما التيار الثاني فهو ليبرالي إصلاحي يهتم بـ” الحريات السياسية والحقوق المدنية للرجال والنساء، كما يضغطون من أجل تعزيز المساواة بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعية وتعزيز مشاركتهم في الأمور العامة”. 

وفي حديثه عن الماضي، يستحضر الكاتب “التوازنات الدقيقة التي ثبّتها المؤسس بين أجنحة العائلة”، منوّها إلى حقيقة تأثير هذا الإجراء على الحسم والفاعلية في القرار السعودي أو ما عُرف تاريخياً بـ”اللا قرار” في سياساتها”.

التحديات…العامة والمستجدة

في إضاءة على بعض الجوانب الضبابية في السؤال عن الهوية وواقع المجتمع السعودي من جهة، وتحليل طبيعة الخطاب والدور والمكانة في “السعودية” كما السياسة الخارجية من جهة أخرى، يفرد د.بلال اللقيس مساحة لاستعراض التحديات العامة والمستجدة.

في التحديات العامة أمام النظام السعودي

  • الهوية

 يقول الكاتب “إذا ما وضعنا النفط جانباً فإن الركيزة القوية للنظام هي تحالفه مع العقيدة الوهابية والمؤسسة الدينية والتي عمل على تعزيزها من خلال الدولة الريعية”، مشيراً إلى تشعبات التقسيم التي تطال ” المجتمع السعودي”، إذ بالإضافة إلى القسمة القائمة على ثنائيات قبلي- وطني ديني-سياسي/اقتصادي- اجتماعي/وطني- طائفي، هناك أيضاً انقسام للجناح الديني (الوهابية – الاخوان المسلمين) وتنافس على الرؤية الدينية السياسية للـ”مملكة”.

يلقي الكاتب بالضوء على التحديات الداخلية المستجدة، مشيراً إلى مخاض التحول الذي تشهده المملكة في النموذج الاجتماعي، ويعبر عنه بالانتقال من النموذج البدوي كإطار اجتماعي إلى نمط لم تتحدد ملامحه بعد، كما يستعرض من ضمن التحديات الانقسام العمودي لدى جيل الشباب، بين توجه الشباب الديني الملتزم، وهابياً او اخوانياً، مقابل شريحة من خريجي الجامعات الغربية وتأمل بتغيير قيمي ومؤسسي كبير في “المملكة”، ثالثاً يقول بالتمييز الذي يطال مروحة واسعة من المجالات الحياتية، ويحصرها الكاتب بالعناوين التالية، التمييز الجندري، كما والنسب القبلي فضلاً عن خصوصية العائلة المالكة، التمييز المناطقي خاصة بين المناطق الساحلية الغربية منها القديمة وقلب السعودية الذي ولد مع آل سعود، التمييز المذهبي، التمييز الإقتصادي الذي يشير إلى الهوة في توزع الدخل.

كما يؤكد على وجود أزمة مرتبطة بالتعليم ووضعه الإشكالي لناحية مخرجاته، موضحاً أن المناهج تشجع على تبني العنف تجاه الآخرين. وغياب الفردانية في المجتمعات السعودية تحت ضغط الأسرة الكبيرة والجماعة والعشيرة، وبالتالي فالهوية الوطنية اللاحقة غير موجودة بغياب مفرداتها الأساسية وتفاصيلها المركبة.

ويرى الكاتب أن سيطرة الهوية المركزية على الهويات الفرعية بمساعدة الإعلام المركزي أدى إلى غياب تفاعل الفرعيات السعودية فيما بينها كما يجب، مشيراً إلى خطورة حصر تاريخ المنطقة بـ” بداية الدولة السعودية الأولى وإلغاء ما قبله وفي هذا اقتطاع لجزء كبير من هوية قاطني هذه البلاد”.

  • الخطاب

حرصت “السعودية” في مرحلة التأسيس، بحسب ما يوضح الكاتب، على “تقديم نفسها من خلال الخطاب الوهابي واحتكار تفسير الدين من خلال الرمزية الدينية”.

فقد تأثر الخطاب السعودي بعدة مراحل، إذ أن “السعودية” خلال الصراع مع الناصرية تبنت خطاب الملكيات والدفاع عنها وعمقت من قوة الخطاب الديني بمواجهة الاشتراكية-الشيوعية، وبعد سقوط الناصرية وعلى أثر النكسة تبنت خطاب التضامن العربي، أما بعد انتصار الثورة الاسلامية في إيران وسقوط شرطي الخليج (الشاه) عمّقت الخطاب العربي والتشديد على البعد الاسلامي السني في الهوية،  إلى أن نلحظ اليوم أنها تسعى لتعريف هويتها وتقديم خطابها من زاوية الدولة الوطنية المتمثلة بالإسلام المعتدل.

متسائلاً عن كيفية الانتهاء من “ازدواجية نموذجي الدولة الدينية المعنيّة بنشر الإسلام وحمايته، والدولة الليبرالية كما ينتظر منها بعض مواطنيها والعالم”.  

  • المكانة والدور

في هذا الجانب، يعتبر الكاتب أن حيازة “السعودية” لجغرافيا استراتيجية مكّنتها من لعب دور مؤثر في المنطقة وعلى الرغم مما وفّرته الطبيعة لهذا الكيان من موارد، إلّا أن هذين الأمرين وضعاها أمام تحديات قلّ نظيرها، على إعتبار أن” وزنها الديموغرافي غير متكافئ مع مساحتها وحدودها المفتوحة والفاقدة للعوارض الطبيعية، وأن النفط بما يوفره من امتياز دفعها عملياً إلى حمأة أي صراع محتمل أو تنافس دولي بين القوى الكبرى لا تتحمله وتخشى تبعاته”.

ويستطرد الكاتب بالقول، أن ” تتبع تاريخ وسلوك “المملكة” السياسي، يساعد على استنباط حدود أهدافها، بحيث  تراوحت بين المحافظة على أصل وجود نظامها، وتزعم شبه الجزيرة العربية كنظام فرعي من خلال إنشاء مجلس التعاون الخليجي بتوجيه أميركي”. دون التغافل عن “محاولتها لتشكيل قطب بوجه الناصرية إبّان حكم فيصل واجتراح منظومة أوبك، والمؤتمر الاسلامي 1968”.

أما فيما يتعلق بطموح الزعامة الإقليمية أو زعامة المذهب السني، فـ”الإدراك السعودي التاريخي ارتكز إلى مقولتين في تصوره للسياسة الخارجية، الأولى مقولة “الأخ الأكبر المفترض الاحترام والطاعة” ومقولة “أن من شأن طمع الجيران او ضيق عينهم أن يفكروا بغزو او إرباك وضع المملكة”، معتبرا بأنها أفضت إلى نتائج سلبية مستشهدا بحالة الكويت وقطر.

  • السياسة الخارجية

يلاحظ الكاتب في سلوك “السعودية” السياسي عدّة جوانب، يذكر منها سياسة الفصل بين الملفات والقضايا. حيث أنها “اتسمت حتى الأمس القريب بالتقليدية و”اللا قرار” والانفعال لحين بدء احداث الربيع العربي”، مضيفاً بأنها تبدأ بسقف سياسي عال ثم تعاود فتتراجع، كما وأنها تسعى لاجهاض أي شرعية ثورية قومية او دينية أم إلحادية.

ينوّه الكاتب في حديثه عن السياسة الخارجية، بأن “الجناح الديني لا يمسك بزمام القيادة في السياسة الخارجية”، حيث سعت الرياض من وراء نشر الوهابية إلى “مجابهة تحديات كبرى أولها تأجيل مطالب التغيير الديمقراطي في الداخل والاحتماء من إيران وبناء درع ديني في مواجهة حركة إسلامية زاحفة هي “الإخوان المسلمون”، وأصرّت أنها تستطيع توظيف الجماعات المتشددة دون أن ينعكس ذلك على أمنها الداخلي”، مؤكداً على وجود قرار لدى آل سعود بـالاستعاضة عن جنودها بالمرتزقة في بعض الصراعات او الدعم المالي عن مشاركة الجيوش، كما والإبقاء على الشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية.

التحديات المستجدة أمام “السعودية”

  • التحدي المستجد المرتبط بالمجتمع:

يبرر الكاتب هذا التحدي  بـ”تراجع زخم الدولة الريعية بالتزامن مع تضاعف الواقع الديموغرافي (60% من سكان المملكة من الشباب)، واطلاق دينامية منفتحة وانشاء هيئات لمواكبة ذلك من قبيل هيئة الترفيه وتقليص دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

مضيفاً بأن الطرح الاقتصادي الذي قدمته شركة ماكنزي الاميركية في رؤية 2030، دفع إلى تغيّر أدوات السياسة الخارجية وإلى استخدام القوة الصلبة، مستشداً بالقرار الملكي لتوحيد الجيشين السعوديين، واستحداث عنوان شبيه بمركز الأمن القومي بإدارة ولي العهد، كما واستحداث منصب ولي العهد.

وقد لفت الكاتب إلى التناقض الذي يطال الحالة السعودية باعتبار انه في الوقت الذي يتصدّر فيه بعض مواطنيها قائمة الأعلى ثراء، يقبع آخرون في ذيل القائمة حيث الفقر المدقع (25% من سكان السعودية فقراء ومن المرشح ارتفاع هذه النسبة بحسب شركة ماكنزي للاستشارات محذرةً من ارتفاع نسبة البطالة إلى 20 %وتراجع دخل الأسر بنحو 20 % أيضا).

أمّا بخصوص التحدي المرتبط بانتقال السلطة إلى الجيل الجديد، فيبقى هو أحد أبرز التحدّيات، بحسب الكاتب، لأن ” المملكة قامت تاريخياً على مكانة وهالة خاصة للملك ساهمت في إضفاء الشرعية للنظام. فهل سيستطيع أمراء الجيل الثالث قيادة السعودية في ظل هذه الظروف الإستثنائية التي تمر بها؟ هل سيحرزون الانتصارات كما فعل عبد العزيز بما يعزز الشرعية، وهل سيحققون النجاحات الاقتصادية ويضبطون الإيقاع ويتمكنوا من احتواء التناقضات والتوازنات الداخلية؟”

  • التحدّي المرتبط بالهويّة

في هذا المضمار يعتبر الكاتب بأنه مع نهاية الألفية الثالثة نلحظ توجهاً نحو تبدل قيمي يتطلع إلى هوية دينية معتدلة، إذ إن “العقد الاجتماعي المعتمد سابقاً على ازدواجية النفط والدين غدا بحاجة إلى إعادة نظر”.

  • التحدي المرتبط بالنظام السياسي والشرعية

يذّكر الكاتب بأنه في السنوات الأخيرة بدأت ترتسم معالم هرم سلطوي جديد، يأتي في قمته القوة الأمنية، وفي المنتصف هيئة البيعة، وفي القاعدة عمليّة انتقال الحكم. مشيراً إلى حدثين طرآ على “الحكم”، هما التغير في بُنية السلطة بعد تفكيك فريق السديري، والتحول الثاني يظهر في التغير الذي طرأ على التوازن- التحالف أكثر مما هو مبني على الذراع الأمني.

معتبراً بأن القوة الأمنية ستكون بمثابة المرشد الأعلى للسلطة، الأمر الذي يزيد من احتمالات التغيير في قرارات السلطة الخارجية، خاصة مع اقتراب تسلّم الجيل الثالث للحكم باعتباره لم يشهد مرحلة التأسيس والتوحيد كما لم يشهد مرحلة الصراع  بين فيصل وسعود فضلاً عن الثقافة السياسية لهذا الجيل.

يجمع المراقبون، بحسب الكاتب “أن التغيير في المباني التقليدية ينبأ بترسيم حدود المصالح، ما سيسهم بدوره في بروز مناطق تعاون كثيرة تنافس في فعاليتها وأهميتها وبروزها مستوى التعاون الأمني وبالتالي يخلق نظام الهيمنة المتعددة”.

  • التحدّي المرتبط بالسياسة الخارجية

يطرح الكاتب التحولات التي طرأت على سياساتها التاريخية عبر سلوكيات غير مألوفة من خلال تصديها الحاسم للربيع العربي باعتباره مفتاح الفوضى، ثم تبني الثورات في ساحات دون ساحات ما أشار إلى الإرباك في التعاطي، ثانياً تقربها ومحاولات التطبيع التدريجي مع “إسرائيل”، استبدال القوة الناعمة بالقوة المفرطة واطلاق أحلاف عسكرية (في البحرين واليمن، كما واعلان جهوزيتها للتدخل في سوريا)، احتجاز رئيس الحكومة اللبناني السابق سعد الحريري كسابقة ديبلوماسية، الانخراط العلني في لعبة التنافس بين المرشحين الاميركين بدعم مرشح دون آخر، التصعيد مع ايران، تبني موقف عدائي من الاخوان المسلمين، تقديم خطاب فيه شيء من التبرؤ من الوهابية، وأخيراً التحول من ردّ الفعل إلى الفعل الاستباقي بالخروج من المحافظة والتريث إلى التسرع والتعجل.

معتبراً أن “النجاح في سياساتها الخارجية الجديدة هو التحدي الأول أمامها، وتحدي تقديم صورة مغايرة لما ارتكز في ذهن الرأي العام العالمي والغربي بالخصوص حول الفكر المتطرف والخطاب الديني الوهابي ودور المملكة في إنتاجه. وثالث التحديات هو في الحفاظ على مكانتها الإقليمية على أثر التراجعات والإخفاقات التي أعقبت “الربيع العربي” واستمرار زخم ومتانة علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية. علماً بأن اميركا اليوم هي اميركا المترددة”.

التحليل الاستراتيجي لوضعية النظام السعودي

بعد ما ورد من إستعراض لأهم الأفكار الواردة في كتاب د.بلال اللقيس، ينتقل لتقديم تحليل يوجز من خلاله وضعية المملكة بالقول، بأن النفط جعل “المملكة” من الدول المؤئرة في الاقتصاد العالمي ويضعها في الصراع والتنافس الدولي ما يشرع أمنها ويجعلها هدفا للجميع، ومن جهة أخرى فإن ضيق سوقها وقدرة استيعابه المتواضعة يحول دون توظيف فائض الوفورات النفطية ما يضع مبالغ مالية هائلة خارج المملكة في عالم الاضطراب المالي، ومن جهة ثالثة هي معنية بإقامة توازن دقيق بين حركة نموّها ومعدّل استخراج النفط، وهذا يتطلّب استقرارا في سوق عالمي سمته الاضطراب والمفاجآت. ويضيف بأن حاجتها إلى الحماية الأميركية وضعها أمام ازدواجية تجاه الرؤية الإسلامية التي من المفترض ان تتبناها.

ويؤكد الكاتب على حاجتها إلى الخطاب المذهبي لتحفظ كينونتها، وأنه في أغلب الأوقات تبادر المملكة إلى الإصلاح بسبب ضغط خارجي. مشيراً إلى أنها تعيش أزمة تهافت بين هويتها الاسلامية السنية والعربية والمصلحة القومية الوطنية، فهي في خطابها السياسي تؤكد على الوحدة والسيادة ورفض التقسيم، فيسأل الكاتب في هذا الإطار عن اليمن والعراق ودعم استفتاء الأكراد في الشمال بشأن الانفصال، ودعم محاولة الانقلاب في تركيا.

يلفت د.لقيس في موجزه على رفض “السعودية” للاستقلالية في المشروع السياسي لأي من الدول العربية في الخليج، كما وإصرارها على أن تكون بوابة دول الخليج مع القوى الغربية وأميركا بالخصوص والممثلة عنهم، فتعمد لتقديم كل من يخالفها من الدول العربية في الخليج على انه ضدها وانه ينفذ أجندة إيران.

خاتماً، بأن “المملكة لم تستطع بالرغم من كل حهودها على تشكيل إطار استراتيجي خدمة لسياساتها كما في حربها ضد اليمن، وتصر على قدرتها على ضبط الحركات الوظيفية لمشروعها الخارجي دون أن يضر ذلك بأمنها، لكن التجربة التاريخية تفيد على طول مسارها أن كلّ القوى الأصولية التي قامت بدعمها لتوطيد أمنها انقلبت عليها عند أول مفترق، ما اضطر آل سعود لمواجهتهم أو الإستعانة بالغربيين عليهم.”

في الحلقة المقبلة، استعراض لأوجه الشبه بين الطرفين “السعودي” والأميركي، كما مراحل العلاقة بين كل من الرياض وواشنطن.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى