ــالنشرةتقارير

أفول نجم أمريكا في المنطقة.. الرياض البيت المكشوف

اكتشفت السعودية ان رهانها على أمريكا، كان رهاناً خاسراً خصوصاً مع توالي الضربات التي تتلقاها من القوات المسلحة اليمنية، وعجز المنظومة الدفاعية الامريكية عن صدها، فسرعان ما تهربت واشنطن من التزاماتها.. ان ضعف الحضور والتأثير الأمريكي والذي قاد الى تراجع واضح لدورها في المنطقة، ظهر في عجزها عن وضع قاعدة دفاعية تؤمّن حتى المنشآت النفطية السعودية من هجوم القوات المسلحة اليمنية بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، او تؤمّن ناقلات النفط التي تعرضت للهجمات في الخليج،،،

مرآة الجزيرة ـ وديع العبسي

في مشهد صادم للحلفاء والمأخوذين بجيش الخدع السينمائية: الجنود الأمريكيين يتسابقون هربا من افغانستان، وحركة طالبان الجماعة غير النظامية تعلن السيطرة على الموقف وهزيمة القوة العظمى في العالم.

من عهد أوباما إلى بايدن مرورا بترامب، يبدو أن المؤسسة الأمريكية والداخل الامريكي كان على قناعة وانتظار لمثل هذا المشهد، الأمر الذي بلور توجها عاما بضرورة تقليص هذه التدخلات الأمريكية المباشرة وفك الارتباط بالشرق الاوسط.

وما ان سحبت امريكا اذايال خيبتها من هذه الدولة المنكوبة بالحضور الأمريكي منذ عشرين عاما، حتى بدأ اللغط يتسرب إلى بعض اوصال المنطقة، حيث الدول التي تدثرت بالعباءة الأمريكية فتاهت عن قوميتها وقبلت الولاء للوهم الأمريكي.

ذهب البعض إلى القول بإن “أمريكا لم تعد شرطي العالم”، وإن هيمنتها دخلت مرحلة “الشيخوخة والانحدار، على الأقل في مستوى الثقة بقدرتها الاستمرار في لعب دور الحامي للحلفاء في المنطقة أو المؤثرة في اتجاه بقاءهم على رأس السلطة في المساحة الآمنة.

يقول الكاتب عمر عياصرة في صحيفة السبيل الأردنية: “من يراقب ما جرى في مطار كابل يدرك تماما أن أمريكا لم تعد شرطي العالم، وأن ثمة تغيرات سيكون لها وقعها بعد هذا الحدث الكبير”.

هنا، تبلغ المآخذ على امريكا المستوى الحاد، من خلال الوقائع التي باتت تفرض نفسها كحقائق وليست تكهنات وهي: تخلي امريكا عن حلفائها في أفغانستان وتقديمهم كلقمة سائغة لخصومهم بعد استنزافهم لآخر قطرة، إدخال البلاد في نفق مظلم، وهو ما ترجمه مشهد الفرار إلى الموت الذي رآه العالم في محاولة الأفغان تسلق إحدى الطائرات الأمريكية في مطار كابل، ثم سقوطهم من السماء، وقد اعتبر بعض المحللين بأن هذا المشهد كان في منتهاه “مشهد السقوط الأمريكي” وهو سقوط أخلاقي وقيمي فضلا عن كونه سقوط للهالة الأمريكية، أو “هو الانهيار الكامل لجبل الجليد” حسب وصف الكاتب محمد فرج في صحيفة الميادين، واخيرا احتمالات عودة أو انتعاش الجماعات التدميرية بعد سيطرة طالبان على البلاد.

ومنذ فيتنام حتى أفغانستان مرورا بالملف النووي الايراني، والتحالف الدولي لمكافحة الارهاب، الى التحلل من القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تغاضى عنها ترامب فشهد الواقع السعودي على إثره انتهاكات معلنة، قذفت بالفائزة بجائزة PEN لجين الهذلول على سبيل المثال، الى المعاناة في السجون السعودية بتهم زائفة.. حسب ال cnn الامريكي، واخرست صوت جمال خاشقجي الى الابد في جريمة القتل الشهيرة، الى إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وإضفاء الشرعية على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، كل تلك القرارات والتدخلات، اثبت الواقع  فشلها على مختلف المستويات، وان السياسة الأمريكية في المنطقة اعتمدت مبدأ التجريب بغض النظر عن الآثار ما إذا كانت كارثية على دول المنطقة.

يؤكد محللون إن السياسة الخارجية الأمريكية التي كان من معالمها التدخلات والغزوات سواء التي قادتها أو التي كانت تقف وراءها، على شاكلة دعمها حكومات فاسدة وقمعية، كانت سببا رئيسيا وجوهريا في خلق الأزمات لمجتمعات المنطقة ومفاقمتها، وبحسب أحد اعلاميي ال cnn رامي خوري، فإن “سنوات ترامب جعلت السياسة الأمريكية السيئة في الشرق الأوسط، أسوأ”، ما يدل على أن القيادات الأمريكية كانت تتسبب في ظهور المثير من القضايا ذات التأثير السلبي على شعوب المنطقة، حتى في فترة رئاسة أوباما التي يروق للبعض القول إنها كانت هادئة، شهدت صراعات دموية بدأت في اليمن وليبيا وسوريا، واستمرت مشتعلة في العراق.

وبال الصهاينة

باتت امريكا على قناعة تامة بأن وضعها في المنطقة أصبح مهزوزا الى حد بعيد لا يمكن معه ضمان بقائها على النحو الذي اعتادت عليه، ليس فقط نتيجة المستجد في أفغانستان، او اخفاقاتها وفشلها في إدارة المنطقة المتفردة في الهيمنة عليها، وانما ايضا نتيجة الزاوية الضيقة التي باتت محشورة فيها بسبب تراكم الفعل الصهيوني المتمرد على القوانين الدولية وعلى الاتفاقات البينية، وهي التي تعتبر الراعية للوجود الإسرائيلي في قلب المنطقة.

تقول الامريكية كيلي بيوكار فلاهوس في تحليل نشره موقع “ريسبوسيبل ستيتكرافت” تحت عنوان (إدارة الدولة المسؤولة)، “إن مصالحنا الوطنية واستقرارنا الإقليمي تتضرر بينما تل أبيب تأخذ شيكنا على بياض وتعمل علانية ضد السلام”.

 واكدت الكاتبة عبر الموقع الذي تدير تحريره ويتبع معهد “كوينسي” الأمريكي للدراسات الأمنية، أنه في حين أن الكثير من فاعلي المجتمع الدولي يدينون ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية، وتجريفها للأحياء العربية، وسياسات التمييز العنصري والديني، فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تستخدم حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من أي انتقاد أو مساءلة… وبالتالي، فإن الولايات المتحدة تتحمل تبعات السياسات الإسرائيلية بحكم دورها كعامل تمكين لإسرائيل.

وفي السياق ترى بيوكار فلاهوس ان السياسة الأمريكية توحي لبقية دول المنطقة أنه لا يمكن الاعتماد على واشنطن، وهو ما ترى الكاتبة بانه ربما كان السبب في “دخول السعودية في محادثات مع إيران، وتقاربها المتزايد مع قطر، واهتمامها الواضح بإنهاء الحرب في اليمن.”، بل وكذا دخول مصر وتركيا في “محادثات صريحة” منذ عام 2013.

في العام 2010 قال الجنرال “ديفيد بترايوس”، المسؤول السابق عن العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، أمام لجنة في مجلس الشيوخ: “تمثل الأعمال العدائية المستمرة بين إسرائيل وبعض جيرانها تحديات واضحة لقدرتنا على تعزيز مصالحنا في منطقة العمليات”.

امريكا في الموقف

يضع التقييم الدولي امريكا في موضع إدانة واتهام بانتهاك حقوق الإنسان، سواء بالتدخل المباشر أو غير المباشر فوجودها عبر القواعد العسكرية وحصارها لبعض الشعوب وبيعها لكميات السلاح الكبيرة لبعض الأنظمة مع إدراكها للانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان لدى هذه الأنظمة كلها مؤشرات على ان الإمبراطورية الامريكية اليوم باتت في المساحة الضيقة من الحضور المشوه في المصداقية وفي الأهلية لتصدر قائمة دول العالم.

في الملف النووي الايراني، ومع اعلان بايدن العودة للاتفاق النووي، قال أن “القيام بذلك من شأنه أن يوفر دفعة أولى مهمة لإعادة ترسيخ مصداقية الولايات المتحدة، بما يوحي للعالم أن كلمة أمريكا والتزاماتها الدولية تعني شيئًا ما مرة أخرى”، يأتي هذا الحديث من إدراك بان المصداقية الأمريكية صارت في المستوى “صفر” ما يفقدها ثقة حتى الحلفاء.

في القضية الفلسطينية رغم رحيل الحكومة الاسرائيلية اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو الذي مثّل حسب الرؤية الفلسطينية عقبة حالت كثيرا دون إحراز أي نتائج للشعب الفلسطيني لعلاقته القوية مع البيت الابيض، مع ذلك فإن المشهد لا يبدو مشجعا خصوصا وأن بايدن جعل في أولويات رؤيته اعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية.

وعلى صعيد الداخل تعيش امريكا واقعا يكشف عن انصراف القادة الى مغامراتهم في الخارج على حساب معيشة الناس، ولذلك لم يكن غريبا ان تنتبه المؤسسات من الحزبين الى الامر لتتقدم بمشروع عمل في البنية التحتية سيكلف مئات المليارات من الدولارات، من إصلاح الطرق والجسور الى معالجة نقص استثمار الشركات والحكومة، وتطمح “الى العودة مستويات الاستثمار الحكومي في الستينيات – أو حتى الثمانينيات – ستعيد توازن الاقتصاد الأمريكي تجاه المستقبل.” والدفع بالقطاع الخاص إلى زيادة الاستثمار، مما قد يعيد الاستثمار الخاص إلى حصته في أواخر التسعينيات من الناتج المحلي الإجمالي.

فضلا عن تحديات الانقسامات الداخلية ومواجهة كورونا التي تتطلب جهودا في توظيف الإمكانات لتجاوزها.

امريكا في السعودية.. الغطاء المكشوف

ضعف الحضور والتأثير الأمريكي والذي قاد الى تراجع واضح لدورها في المنطقة، ظهر في عجزها عن وضع قاعدة دفاعية تؤمّن حتى المنشآت النفطية السعودية من هجوم القوات المسلحة اليمنية بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، او تؤمّن ناقلات النفط التي تعرضت للهجمات في الخليج.

تعلق ال BBC هنا بالقول “تركت هذه التطورات ندوباً كبيرة في مصداقية الولايات المتحدة في الالتزام بأمن حلفائها وخلفت شكوكاً قوية في قدرة واشنطن على لعب دور قيادي في حل أزمات المنطقة”.

في مقال رأي لديفيد غاردنر، محرر الشؤون الدولية بصحيفة الفايننشال تايمز  بعنوان “قادة الشرق الأوسط تعلموا عدم الاعتماد على الولايات المتحدة”، يقول الكاتب “لقد بدا بالفعل للحلفاء والخصوم على حد سواء، أنهم لا يستطيعون الاعتماد على الولايات المتحدة”.

يرى الكاتب، بان القادة العرب واستباقا لموجة الأحداث قبل أن تنهار عليهم، لجأوا إلى تعديل سلوكهم في التعاطي مع الاحداث فاتجه الأعداء للنقاش مع بعضهم البعض، اذ بدأت إيران والسعودية، وهما على خلاف من اليمن إلى سوريا والعراق إلى لبنان، الاجتماع في أبريل/نيسان الماضي من هذا العام، فيما تحاول الإمارات العربية المتحدة ومصر، وهما على طرفي نقيض لتركيا وقطر في الحرب الأهلية الليبية، إصلاح العلاقات. كما أن العراق، الذي يكافح من أجل البقاء كدولة موحدة، استضاف الشهر الماضي قمة جمعت خصوم المنطقة”.

اكتشفت السعودية ان رهانها على امريكا، كان رهاناً خاسراً خصوصا مع توالي الضربات التي تتلقاها من القوات المسلحة اليمنية، ضعفت أمامه المنظومة الدفاعية الامريكية، وسرعان ما تهربت واشنطن من التزاماتها.

وفي مايو الماضي فتحت السعودية ملف العلاقة مع إيران استمرارا لاجتماعات ابريل، في محاولة لإدراك ما يمكن من ماء الوجه، حينها لم يكن تحليل اسباب هذا التوجه اعجازيا، لذلك سخرت صحيفة ” ديرشبيغل” الألمانية من هذه الانتكاسات التي تتعرض لها السعودية بالقول: أن ”خسارة السعودية في اليمن دفعها لتغيير سياستها تجاه إيران”..مؤكدة أن السعودية الغارقة في مستنقع اليمن لم تجد وسيلة لإخراجها من جحيم اليمن سوى اللجوء الى إيران.”

وعلقت خبيرة الشرق الأوسط /تريتا بارسي/ من معهد كوينسي للدراسات الأمريكية على الموقف السعودي بقولها: ”كان السعوديون يراهنون على أمريكا في المواجهة مع إيران الآن لم يعد بإمكان العائلة المالكة التأكد من أن هذه الشاشة الواقية ستظل مفتوحة، لهذا السبب “أصبحت الدبلوماسية الإقليمية فجأة الخيار المفضل”.

علامات تحقُقْ السنة الكونية بتداول الحقبة الزمنية وأقول نجم وظهور نجم آخر بات واضحا في ما صارت إليه أمريكا، خاصة في الشرق الأوسط، وما خروجها بتلك الطريقة العشوائية من أفغانستان الا خطوة اضطرارية لإطالة زمن بقاءها على الأقل في الذهنية العامة على رأس العالم ولو لوقت قصير.

وليس من شك بانه خلال الفترة الرئاسية التي شغلها، عاث ترامب في المنطقة الفساد وأسس لمرحلة انهيار تكاد تكون اكيدة.. أصبحت امريكا على اثرها مترهلة بسياستها الخارجية فلم تعد تلك البوابة الى اكتساح العالم بعصاها الغليظة، وباتت قاب قوسين أو من حمل عصاها والرحيل من المنطقة.

انما ثمة سؤال يتكون وهو “من يمكن أن يملأ الفراغ الذي ستخلفه امريكا؟ ويدور الجدل حول ما يمكن أن تلعبه الصين وروسيا وإيران في هذا الإتجاه ويبدو الشتات واضحا في محاولات صياغة بدائل جديدة تملأ فراغ الانسحاب الامريكي، إلا أنه كاف للتعاطي مع هذه الحقيقة، من بينها التهدئة والتفاهم لإنهاء التوترات.

يقول الباحث الأردني محمد برهومة المتخصص في الشئون الخليجية: تقليص البصمة العسكرية الأمريكية في المنطقة، كما بات معلوماً، يتعلق بحسابات داخلية،  وجدل أمريكي مستمرّ منذ آخر ثلاث إدارات أمريكية على الأقل، وهو متعلّق أيضاً، وخاصة حالياً، بلعبة التنافس والصراع بين القوى العالمية، ويأتي، بالتالي، بدافع توجيه الأولويات والموارد صوب شرق آسيا، ومواجهة التحدي الصيني المتصاعد”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى